متى يسقط واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
(فتوى رقم 28)
السؤال: نرجوا بيان الإشكال الواقع في الحديث التالي:
عن أبي أمية الشعباني، قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني، فقلت له: كيف تصنع بهذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم”، قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك ودع العوام، فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملك”، رواه الترمذي وابن ماجه.
فهذه الأشياء المذكورة في الحديث قد صارت ظاهرة بين الناس في عصرنا، فهل لنا مندوحة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عملا بظاهر هذا الحديث أم لا؟
الجواب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة دينية مستمرة لا تسقط إلا بخوف المرء على نفسه، أو ماله، أو تحقق عدم القبول، وليس في الحديث المذكور مندوحة في سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعدم تحقق اجتماع الشروط المذكورة فيه وهي:
- الشح المطاع، والمراد فيه منع الفضل أو الواجب، وأخذ مال الغير بدون حق.
- هوى متبعا، أي أن يأتي كل واحدا ما تهواه نفسه ومصلحته من غير مراعاة الشرع.
- دنيا مؤثرة، أي يعملون لها دون الآخرة.
- إعجاب كل ذي رأي برأيه، أي لا يقبلون الحق الواضح، بل يتبعون ما حسنته لهم عقولهم وأهواؤهم.
فهذه الأربعة المذكورة في الحديث نكرات وقعت في سياق الشرط، وموصوفات بصفات عامة، وكل من النكرة الواقعة في سياق الشرط والنكرة الموصوفة بصفة عامة فهي للعموم عند الأصوليين.
فيكون معنى الحديث على هذا، والله أعلم، إذا رأيتم كل واحد يطيع الشح، وكل واحد يتبع هواه دون الشرع، وكل واحد يؤثر الدنيا على الآخرة، وكل واحد يذهب برأيه بدون رجوع إلى الحق والشرع، فحينئذ عليكم أنفسكم حيث يكون الشر قد عم، ولم يبق من يرجى القبول منه. وهذه الكلية المأخوذة من الحديث منتفية في وقتنا الحاضر، لأنه لا يزال في الأمة الإسلامية كثرة ممن لا يطيع الشح، ومن يتبع الشرع دون هواه، ومن يعمل لآخرته دون دنياه، ومن يترك رأيه ويرجع إلى الشرع والحق، وذلك مستمر إن شاء الله تعالى إلى قرب قيام الساعة كما يشير إليه حديث الشيخين عن المغيرة ابن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون.”
وقد ورد حديث آخر في بيان الوقت الذي يترك فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ما رواه ابن ماجه في سننه عن أنس بن مالك قال: قيل: يا رسول الله متى ندع الائتمار بالمعروف و النهي عن المنكر؟ قال: “إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل، إذا كانت الفاحشة في كباركم، و الملك في صغاركم، و العلم في رذالكم.” والعموم أيضا موجود في هذا الحديث لأن كلا من الملك، والفاحشة، والعلم، مفردات محلاة بالألف واللام وذلك من ألفاظ العموم عند الأصوليين أيضا. والمعنى على هذا، والله أعلم، إذا كان الملك كله في صغاركم، والفاحشة شائعة في كباركم والعلم كله في رذالتكم، فحينئذ تتركون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعصرنا، ولله الحمد، رغم ما فيه من فساد، لا يزال فيه الخير الكثير.
وربما يكون عدم قبول الناس للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأسباب أخرى، منها قلة علم القائمين بذلك، أو قصدهم غير وجه الله تعالى، أو تشديدهم فيما لم يشدد فيه الشرع، أو لكونهم غير عاملين بما يأمرون به الناس، أو لعجزهم عن سايسة الناس، وقد قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: “سياسة الناس أشد من سياسة الدواب.”[1] والناس بطبعهم لا يحبون أن يعترفوا بجهلهم ولا بخطأهم …. ، فلذا يتحتم على من يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يبتعد عما يثير الفتن، ويحرك الخواطر، ويكون مع الناس كالطبيب يضع الدواء حيث يتحقق النفع، ويسلك في وعظه سبيل الحكمة، فينصح المسيء سرا، بدون توبيخ و لاتشنيع، أو يرشده في وعظ عام كما كان يفعله صلى الله عليه وسلم فإنه كان يخاطب الكل بدون أن يخصص العتاب لمن يستحقه، حتى لا يحرجه على رؤوس الأشهاد. وقد قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: “من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه”[2]، ومن شعره :
تغمدني بنصحك في انفرادي * وجنبني النصحية في الجماعـة
فإن النصح بين النـاس نــوع * من التوبيخ لا أرضى استماعه
وإن خالفتني وعصيت قولـي * فلا تجزع إذا لم تعط طاعــــة[3]
ولذلك ذكر العلماء شروطا للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر منها:
- العلم، لأن الجاهل لا يحسن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وربما لجهله ينهى عن المعروف ويأمر بالمنكر.
- قصد وجه الله تعالى وإعزاز الدين.
- الشفقة على الذي يأمره، وأن يكون لينا معه، ولا يكون فظا غليظا لأن الله تعالى قال لموسى وهارون: “فقولا له قولا لينا.”[4]
- أن يكون صبورا حليما لأن الله تعالى قال في قصة لقمان: “وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ.”[5]
- أن يكون عاملا بما يأمر، لكي لا يعير به، ولئلا يدخل تحت قوله تعالى: “أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ”[6] وقوله جل شأنه “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ.”[7]
- أن لا يتيقن ترتب مفسدة عليه، من سوء على نفسه أو على غيره، أو ترتب مفسدة أفحش منها أو مثلها.
- أن يكون قادرا على التغيير إما باللسان أو باليد.
- أن يتيقن أو يظن ترتب المصلحة عليه.
- أن يكون المنكر معلوما بغير اجتهاد، وما قاله مجتهد معتبر كأبي حنيفة، ومالك والشافعي، ونحوهم فليس بمنكر، والله أعلم.
[1] ابن أبي حاتم الرازي، آداب الشافعي ومناقبه، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ص 207.
[2] ابن كثير، طبقات الشافعيين، تحقيق: د. أحد عمر هاشم ود. زينهم محمد عزب، مكتبة الثقافة الدينية، 1993م، ص 30.
[3] ديوان الشافعي (المسمى الجوهر النفيس في شعر الإمام محمد بن إدريس، إعداد: محمد إبراهيم سليم، مكتبة ابن سينا، ص 91.
[4] سورة طه، آية 44.
[5] سورة لقمان، آية 17.
[6] سورة البقرة، آية 44.
[7] سورة الصف، آية 2-3.

اترك رداً
تريد المشاركة في هذا النقاششارك إن أردت
Feel free to contribute!