حكم الذبيحة عقب دفن الميت
(فتوى رقم 77)
السؤال: اعتاد أهل البادية في إرتريا من عهود متطاولة أن ينادي بعضهم بعضا إذا مات فرد منهم، حيث يجتمعون في الخلاء، وبعد تجهيز ودفن الميت يذبحون بقرة لتكون غذاء لمن يقوم بالحفر والتجهيز، وللقادمين من أماكن مختلفة، ولا غرض لهم من ذلك إلا الإطعام؛ وليست الذبيحة من مال القصر.. وهي تبرع محض من أقارب الميت أو من جيرانه أو من ثلث ما أوصى به الميت، مع العلم بأنه إذا أبطلت تلك العادة فربما ينال الناس حرج شديد. وقد ظهر الآن بعض من ينتسب إلى العلم ممن يحرم على الناس هذا ، فهل في هذه العادة محظور شرعي مع وجود ما يدعوا إليها، نرجوا الإفادة؟
الجواب: أخرج الإمام أحمد والنسائي وابن حبان وأبو داود، واللفظ للأخير، عن ابن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم: “لا عقر في الإسلام.” وأصل العقر هو ضرب قوائم البعير أو البقرة أو الشاة وهي قائمة. فالحديث بظاهر لفظه يدل على حرمة ضرب قوائم البهائم بالسيف لما فيه من إطالة تعذيبها، وعدم التعجيل لإراحتها بالذبح؛ كما يدل بمورده على تحريم أعمال وعادات الجاهلية. وهذا المعنى الأخير هو المقصود من الحديث، وإن تضمن معنى الأول. ويدل عليه سبب وروده كما نص على ذلك ابن الأثير الجزري في نهايته[1]، والخطابي في معالم السنن[2]، وشرف الحق الهندي في عون المعبود شرح سنن أبي داود[3]، حيث ذكروا أن أهل الجاهلية كانوا يعقرون الإبل على قبر الرجل الجواد زاعمين أنهم يكافئونه على ما كان يفعله في حياته من عقره للإبل وإطعامه الأضياف. فكانوا يعقرون الإبل على قبره ويدعونها لتأكلها السباع والطير، فيكون بذلك في زعمهم مطعما بعد مماته كما كان مطعما في حياته. ومنهم من كان يفعل ذلك بزعم أنه إذا عقرت راحلته حشر يوم القيامة راكبا عليها .. وهذا عند من كان يعتقد البعث بعد الموت منهم. فاتضح من هذا أن عقر أهل الجاهلية كان مبنيا على المفاخرة … أو اعتقاد ركوب الميت عليها يوم القيامة. وهذا العمل الجاهلي عبث خالي من أي ثمرة اجتماعية مفيدة، ولذلك جاء الشرع الإسلامي بإبطاله تماما. ومن لا يعرف حال سكان البادية ربما يقيس كل ذبيحة في هذا الباب على العقر المذكور، فيطلق أعنة التحريم على عمومه فيسبب بذلك تشديدا لا مبرر له مع وجود الفارق في القياس.
وبعد هذا التمهيد نعود إلى موضوع السؤال بالتفصيل الآتي:
أولا: إن كان القصد من الذبيحة المذكورة الصفة التي كانت عليها في الجاهلية من ذبح للمفاخرة، ولإطعام السباع، واعتقاد حشر الميت عليها راكبا يوم القيامة، فحكم الذبح في هذه الحالة يكون المنع بنص الحديث.
ثانيا : إن كان القصد منها الصفة المذكورة في السؤال، فلا تكون داخلة في المنع المذكور في الحديث، بل تكون جائزة لا حظر فيها شرعا من حيث ذاتها، بقطع النظر عن المؤثرات الأخرى ………….، وقد يتعين عملها إن أدى تركها إلى تعطيل دفن الميت، وتعتبر حينئذ من التجهيز، وتنزل منزلة أجرة الحفر والدفن.
ثالثا : ما تقدم لا يشمل الذبيحة أو الذبائح المعتادة التي يعملها أهل الميت بعد الدفن لإطعام الضيوف الحاضرين للتعزية، فإن هذا من البدع المكروهة التي ينبغي إبطالها بتاتا، لكون ذلك زيادة في مصيبتهم، وشغلا إلى شغلهم، وتشبها بصنع أهل الجاهلية، ومخالفة للسنة الإسلامية. روى الإمام أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح عن جابر بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: “كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة.” وذكر الخرائطي عن هلال بن حباب قال: “الطعام على الميت من أمر الجاهلية.” وأما إعداد الجيران والأصدقاء طعاما لأهل الميت وبعثه لهم فذلك مندوب ومطلوب، لما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم وابن ماجه كلهم، عن عبد الله بن جعفر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم.” وكان هذا عقب مجيء الخبر من غزوة مؤتة بالشام باستشهاد جعفر بن أبي طالب وذلك في جمادى الأولى من السنة الثامنة من الهجرة النبوية.
وخلاصة القول لا حظر في الذبيحة من حيث ذاتها، ويختلف حكمها على حسب ما يتعلق بها من المؤثرات الخارجية التي تتفرع من القاعدة الشرعية القائلة: الأمور بمقاصدها، ومعناها إن قصد المكلف بعمله أمرا محرما يكون الأمر حراما، وإن قصد مباحا فيكون الأمر مباحا مثله وهكذا في غيرها، والله سبحانه وتعالى أعلم.
[1] ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي – محمود محمد الطناحي، المكتبة العلمية، 1979م، ج 3، ص 271.
[2] الخطابي، معالم السنن – شرح سنن الإمام أبي داود -، المطبعة العلمية بحلب، 1923م، ج 1، ص 315-316.
[3] شرف الحق الصديقي، عون المعبود شرح سنن أبي داود، دار الكتب العلمية – بيروت، 1415هـ، ج 9، ص 30-31.

اترك رداً
تريد المشاركة في هذا النقاششارك إن أردت
Feel free to contribute!