حكم تناول النباتات المفترة

(فتوى رقم 68):

السؤال: ما صحة حديث “نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر” ، وما المراد من الإفتار ، هل هو الحاصل عند تعاطي المشروب فقط ، أم يشمل ما يحصل للشارب بعد مدة عند عدم تعاطيه في الوقت المعتاد ، كما يحصل لشارب التنباك ، والقهوة والشاي ، والقات ، وما حكم هذه النباتات الأربعة؟

 الجواب : الحديث المذكور ثابت أخرجه الإمام أحمد وأبو داود في سننه عن أم سلمة بإسناد صحيح ، كما قاله زين الدين العراقي.

والإفتار كما عرفه ابن الأثير الجزري في نهايته* ، والزمخشري في الفائق** ، وابن منظور الأفريقي في لسان العرب ، والمناوي في فيض القدير هو “الذي يفتر الجسد إذا شرب ، أي يحمي الجسد ويصير فيه فتور”.

والفتور على نوعين سماوي ومكتسب :

فالأول ما لا يكون للعبد فيه قدرة واختيار كالفتور الحاصل من المرض ،والجوع ، والعطش فهذا خارج عن موضوع الحديث قطعا لكونه خارجا عن مناط التكليف .

والثاني ما كان للعبد فيه دخل باختياره وترك إزالته ، وهذا على نوعين: فتور يحدث للشارب عند تناوله المشروب ، وفتور يحدث له عند عدم تناوله في الوقت المعتاد له ، فالحديث صريح في الأول ولا يشمل الثاني حقيقة لوجهين : أولا لكونه متسببا من عدم الشرب لا لوجوده وتأثيره . ثانيا لكون كلمة المفتر أسم فاعل ، وهو حقيقة في الحال ، ومجاز في الاستقبال ، ولا يجوز إرادة المعنيين الحقيقي والمجازي معا من اللفظ الواحد ، لئلا يلزم الجمع بين الأصل والخلف كما نص عليه الأصوليون في كتبهم. فالمفتر حينئذ يكون حقيقة في الفتور الحاصل عقب شرب المفتر فقط ، دون الفتور الحاصل عند عدمه في الوقت المعتاد .

حكم التنباك والقهوة والشاي والقات:

وأما حكم النباتات المذكورة فيعرف من القاعدتيين الأصوليتين التاليتين:

القاعدة الأولى: الأصل في المنافع الإباحة ، والمأخذ الشرعي لذلك ثلاث آيات ، الأولى قوله تعالى: “خلق لكم ما في الأرض جميعا” واللام للنفع فتدل على أن الإنتفاع للمنتفع به مأذون شرعا وهو المطلوب. والثاني قوله تعالى: “قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده” والزينة تدل على الإنتفاع. والثالثة قوله تعالى: “أحل لكم الطيبات” والمراد بالطيبات المستطاب طبعا ، وذلك يقتضي حل المنافع بأسرها.

القاعدة الثانية: الأصل في المضار التحريم والمنع ، لحديث مالك في الموطأ ، والدارقطني ، وابن ماجة عن النبي صلى الله عليه وسلم: “لا ضرر ولا ضرار في الإسلام”. وقد ضبط  الفقهاء حرمة التناول أما بالإسكار كالبنج ، وإما بالإضرار بالبدن كالتراب والترياق ، أو بالإستقذار كالمخاط والبصاق ، وهذا كله فيما كان طاهرا. وفي الأم للإمام الشافعي ما يأتي نصه : “أصل ما يملك الناس مما يكون مأكولا ومشروبا، شيئان‏.‏ أحدهما، ما فيه روح، وذلك الذي فيه محرم وحلال، ومنه ما لا روح فيه، وذلك كله حلال، إذا كان بحاله التي خلقه الله بها وكان الآدميون لم يحدثوا فيه صنعة خلطوه بمحرم، أو اتخذوه مسكرا، فإن هذا محرم، وما كان منه سما يقتل رأيته محرما، لأن الله عز وجل، حرم قتل النفس على الآدميين‏.‏ ثم قتلهم أنفسهم خاصة، وما كان منه خبيثا قذرا فقد تركته العرب تحريما له بقذره‏.‏ ويدخل في ذلك، ما كان نجسا‏.‏ وما عرفه الناس سما يقتل، خفت أن لا يكون لأحد رخصة في شربه، لدواء ولا غيره، وأكره قليله وكثيره، خلطه غيره أو لم يخلطه‏.‏ وأخاف منه على شاربه وساقيه، أن يكون قاتلا نفسه ومن سقاه‏”‏

وقال الغزالي في إحيائه “وأما النباتات فلا يحرم منه إلا ما يزيل العقل ، أو يزيل الحياة ، أو الصحة ، فمزيل العقل البنج والخمر وسائر المسكرات ، ومزيل الحياة السموم ، ومزيل الصحة الأدوية في غير وقتها ، وكان مجموع هذا يرجع إلى الضرر ، غير الخمر والمسكرات فإن الذي لا يسكر منها أيضا حرام لعينه ، مع قلته ولصفته ، وهي الشدة المطربة ، وأما السم فإن خرج عن كونه مضرا لقلته أو لعجنه بغيره فلا يحرم”

الأحاديث في التباعد عما فيه الشبهة:

والنبي صلى الله عليه وسلم حث على الإتقاء من الشبهة حيث قال “الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه” أخرجه الشيخان في صحيحهما. وقال عليه أفضل الصلاة والسلام “دع ما يريبك إلى ما لا يريبك” رواه الترمذي ، والحاكم وصححاه …. وقال صلى الله عليه وسلم: “لا يكون الرجل من المتقين حتى يدع ما لا بأس له” رواه الترمذي ، وابن ماجة ، والحاكم وصحح إسناده. وقال عليه الصلاة والسلام “الإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وان أفتاك الناس وأفتوك” رواه الدارمي ، والإمام أحمد ابن حنبل.

______________________________________

* وعبارته : “المفتر الذي إذا شرب أحمى الجسد وصار فيه فتور وهو ضعف وانكسار يقال أفتر الرجل فهو مفتر إذا أفتر جفونه وانكسر طرفه”.

** وعبارته : “المفتر هو الذي يفتر من شربه وعن ابن الأعرابي أفتر الرجل إذا ضعفت جفونه فانكسر طرفه”.

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر + خمسة =