مقالات: رسالة رمضان
جرت عادة سماحة المفتي أن يكتب المقالات في المناسبات الدينية المختلفة، مبينا فيها الأحكام الشرعية، ومنبها إلى بعض الممارسات التي تخالف الأحكام الإسلامية. وطابع هذه المقالات كان يختلف من حين إلى آخر مابين مقالات فقهية أو تاريخية بحتة، إلى مقالات متنوعة تعالج مسائل تتعلق بالسلوك الفردي والاجتماعي من زوايا مختلفة. وكان سماحته ينتهز هذه المناسبات فيستطرد بعد ذكر خلاصة بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بالمناسبة، للإشارة إلى جملة من المسائل الاجتماعية، والسياسية، ذاكرا ما يترتب على القائمين عليها من مسؤوليات وواجبات، داعيا الجميع إلى الاتحاد وتحري العدل والإنصاف في الشؤون كلها. وهذا مقال يعكس هذا الأسلوب حيث يبدأ بالحديث عن الصيام ورمضان، ثم يستطرد إلى مخاطبة طبقات المجتمع المختلفة وتذكيرهم بما يلزمهم من واجبات ومسؤوليات.
جريدة الوحدة
3 رمضان 1385 الموافق، 25 ديسمبر 1965م
قال الله تعالى: “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.”[1]
نعمة الحياة من رمضان إلى آخر
يذهب رمضان ويأتي رمضان آخر كل عام، فمنا من أدرك السابق وانتقل إلى رحمة الله قبل حضور اللاحق، ومنا من عاش وأدرك الأخير وبذلك وجد نعمة جليلة من مولاه، وهي بقاؤه حيا على الصفة المذكورة من رمضان إلى رمضان، مع انتقال إخوانه وأحبابه إلى الرفيق الأعلى مودعين حياتهم الدنيوية في آخر رمضان لهم، والنعم تزداد بشكر العبد لمولاه، قال جل شأنه: “وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ.” [2]
وظيفتان لرمضان
رمضان شهر عظيم، وموسم ربح سنوي، يتجلى الله برحمته على عباده المؤمنين، ويتحفهم من خزائن رحمته، إذا صاموا وقاموا فيه ابتغاء مرضاته وطلب مثوبته. وله وظيفتان: نهارية وهو الصيام، وليلية: وهو القيام.
أما الأولى، وهي الوظيفة النهارية؛ فهي ذات فوائد عديدة دنيوية وأخروية، منها التمرين على مصاعب الحياة، إذ الإنسان معرض لكوارث شتى، يأتيه الفقر بعد الغنى، والمرض بعد الصحة، والذل بعد العز، وفقد الأهل والعشيرة بعد الصحبة، والتروح عن الأوطان بعد الطمأنينة والاستقرار، وتغلب الأعداء.. إلى غير ذلك مما يعرض في معترك الحياة، ولا يفترق في هذا واحدا عن آخر ولا أمير عن سوقي. وعروض هذه المكاره على نفس مترفة، تنام في موعد، وتستيقظ في موعد، وتأكل بقدر، وتمرح في اللذات بين الأهل والعشيرة والأصدقاء، قد تصدمها صدمة تورثها الجزع وقد توقعها في أمراض قاتلة.
وفي الصيام تمرين للنفس على رياضة بدنية وروحية في كل عام مرة على الأقل، حيث تمنع النفس من الشهوات والملذات، وتتعود الحرمان من المحبوبات؛ ويتغير نظام الحياة فيكون الإفطار في المساء بعد أن كان في الصباح، والغداء في السحور بعد أن كان في الظهر، ويتغير بجانب ذلك نظام النوم والعمل، فالصبر على هذا كله يساعد الإنسان على ربط النفس، والتحمل عند نزول المكاره والمصائب.
فيه اتحاد المسلمين
ومن فوائد الصيام في رمضان اتحاد المسلمين بوجه لا يوجد في شعيرة أخرى مثلها، فتراهم يمسكون ويفطرون في وقت واحد في مشارق الأرض ومغاربها، وهذا الاتحاد يعتبر أجل مدرسة يأخذ منها المسلم العاقل الدروس الكافية للتضحية في توحيد صفوف أبناء ملته وقومه على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وألوانهم تحت لواء واحد، فإن النزاع يسري في الأمة كسريان مرض السل في الجسم، وما يزال يسري بينها رويدا إلى أن يقضي عليها بالفناء والهلاك، مصداقا لقوله تعالى: “وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ.”[3]
فائدة التراويح رياضة البدن
وأما الثانية، فهي الوظيفة الليلية؛ فقيام رمضان، وهي علاوة على الثواب المترتب على صلاتها وأذكارها، فإنها تتضمن أعظم فائدة رياضية بدنية، فإن الصائم الذي كان مستوليا عليه سلطان الجوع والعطش طيلة النهار حينما يأتي أوان الإفطار يلتهم ما يجد أمامه من المأكولات والمشروبات بدون مبالاة بما يترتب على ذلك، فيملأ بطنه حتى يضيق مخارج نفسه ونسمه، فهنا يجد في التراويح وفي تلك الحركات البديعة النظامية أعظم علاج لهضم طعامه وشرابه، وتقوية عضلاته، وتجديد نشاط جسمه ودوراته الدموية. فالصيام في نهار رمضان يكون علاجا لنوع من الأمراض، والقيام فيه يكون علاجا ثانيا لنوع آخر من منهكات البدن ومحبطات نشاطه، فصار التراويح والصيام في رمضان في خدمة الصحة.
شهر الدستور الإسلامي
وشهر رمضان زيادة على ما أشرنا إليه، انفرد من بقية الشهور بأعظم مزية، حيث اختص بنزول دستور الملة المحمدية فيه. هذا الدستور الحاوي لجميع ما يحتاج إليه العمران البشري من مختلف نواحيه، فهو ليس دستورا روحانيا أو سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا فقط، بل هو حاوي جميع ذلك وزاد عليه أنه الدستور السماوي الجامع لرؤوس كل القوانين، والمتضمن علاج جميع النواحي المتعلقة بحياة الأمم والشعوب، فمنه تستمد الأمم الإسلامية نظام حياتها وأساس مسؤولياتها، ومنه تتفرع الواجبات الكثيرة التي يدعوا إليها الدين الإسلامي، كواجبات الصيام والصلاة والزكاة والحج وغير ذلك.
واجبات الائتلاف
ومن هذه الواجبات التي دعا إليها هذا الدستور المنزل في شهر رمضان، واجبات عمومية لكل فرد، كالمحافظة على ما يؤدي إلى الألفة، والتكاتف والتساند والتجانس بين أفراد الشعب، وتوحيد صفوفهم، وقطع دابر الانشقاق والانقسام، لأن المصالح العمومية بدون ذلك لا يمكن أن تستقيم. ونحن في عصر قد ارتكزت فيه كل مقومات الحياة الظاهرة على التعاون، وازدحمت فيه حاجات البشر أفرادا وهيئات، واشتبكت مصالحهم بين بعضهم بعضا، وهذا يقتضي من العاقل أن يدرك حاجة عصره فيكون ابن زمنه لا ابن زمن غيره.
…………..
وجرت سنة الله تعالى في خلقه أن تتحقق النتائج المرجوة عند وجود الاجتماع والائتلاف، فلولا اتصال ماء السماء بماء الأرض لما نبتت النباتات ولا طلعت الحبوب، ولولا اجتماع الذكور والإناث لما وجد النسل وهكذا ..، وإن كانت قدرة الله قادرة لأن توجدها بدون ذلك. وكذلك حال الأمة إن لم يوجد الاجتماع والائتلاف، وتبادل الرأي، وحرية الفكر بين أفرادها، لا تتحقق الثمرة المفيدة لا في نظامها التعليمي، ولا في سياستها العامة، ولا في اقتصادياتها وعمرانها، فتكون بذلك دائما منحطة القوة، ومفككة الأعصاب، وممزقة الأوصال، ومضطربة الجوانب، وعاقبة ذلك معروفة بضرورة العقل.
واجبات الحاكم نحو العدالة
وواجبات الحاكم إعمال جهده لتركيز العدالة بين المحكومين، وإخراج الحقوق لمستحقيها بدون النظر إلى اعتبار آخر، إذ العدالة في الحكم والقضاء من أفضل أعمال البر، وأعلاها في الأجر، وهي غيث البلاد، وغوث الزمان، ومطية الأمان،… وملجأ الحائر، ومرشد السائر، ونصرة المظلوم، .. وبها ترفع قواعد السلطان، وبها تترعرع حياة الأمة…..وكل أمة سادت العدالة محاكمها، سادها الهدوء والسكون، وقلت فيها الشكاوى والظنون، وكسدت في أسواقها بضائع الرشوة، وحيل المجرمين. فالعدالة للأمة بمنزلة الروح من الجسد…
واجبات من بيده شؤون التولية
وواجبات من بيده شؤون التولية كالمنتخبين من الشعب لاختيار نوابه في البرلمان، وكل من بيده سلطة تولية الغير أن يحسن اختيار ذوي الكفاءة والنزاهة والاستقامة، وأن لا يراعي النواحي القبلية، والعنصرية في مثل ذلك، فالشرع الإسلامي يجعل مراعاتها من أفظع الخيانات، ومن علامات الساعة. أخرج الحاكم النيسابوري في مستدركه عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من استعمل رجلا من عصابة وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين.”[4] وفي رواية أخرى: “من تولى من أمراء المسلمين شيئا فاستعمل عليهم رجلا وهو يعلم أن فيهم من هو أولى بذلك وأعلم منه بكتاب الله وسنة رسوله، فقد خان الله ورسوله وجميع المؤمنين.”[5] وأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة.”[6]
واجبات الحقوق
ومنها التمسك بالحقوق، فإن كل طائفة تهاونت في حقوقها فقد جنت على نفسها أولا، وعلى المجتمع البشري ثانيا، لأن المطالبة بها ليست حقا فقط كسائر الحقوق المشروعة، بل هي في الواقع واجب مفروض على الإنسان قبل نفسه إزاء الهيئة الاجتماعية، لأن تهاون صاحب الحق في حقه يؤدي إلى انتهاك حرمة الحقوق على وجه العموم، إذ كلما زاد عدد المتساهلين في حقوقهم اضمحلت من الأذهان صورة الحق، وهذا يجر إلى انحلال الروابط الاجتماعية، وضعف التمسك بالمبادئ السامية.
واجبات أهل المزايا
وواجب أهل المزايا، من علم وجاه، استعمال مزاياهم في خدمة الأمة والمجتمع الإنساني. فالناس في أصل النشأة متساوون، فالأب آدم، والأم حواء، والتفاضل بينهم بالمزايا. فالعلماء لهم مزايا على غيرهم ليس بذواتهم، بل لكونهم مصدر التوجيه الروحي، ولكونهم مرشدي الأمة إلى ما فيه سعادة الدارين. والتجار لهم مزايا على غيرهم لا لذواتهم، ولكن لكونهم خدمة الوطن بأموالهم، ولدورهم المهم في انتعاش الاقتصاد، والمصالح العمومية التي تعتمد على المال، وهكذا كل صاحب مزية. ولذلك جاء في الحديث: “لكل شيء زكاة.”[7] فزكاة المال الصدقة على المحتاجين، والمساهمة في المشاريع العمومية، وزكاة القوة المدافعة عن الضعيف والمظلوم، وزكاة البلاغة إقامة الحجة لمن عجز عنها، وزكاة العلم تعليم الجاهل …
واجبات الآباء للأولاد
وواجبات الآباء تجاه الأولاد المحافظة على أولادهم في مبدإ حياتهم لئلا يكونوا فريسة للتربية الفاسدة، والأخلاق الرذيلة… ثم إرسالهم إلى دور العلم، وغرس الأخلاق السامية في نفوسهم، ومراقبتهم في دروسهم، وفي جميع أحوالهم، وتلقينهم معالي الأمور، وتحذيرهم عن سفاسفها، وصرف نفيس الأموال في تثقيفهم وتعليمهم، فإن ذلك صلاح لهم أولا، وصلاح لآبائهم، ولأمهاتهم، ولبني قومهم ثانيا، فإن لم يقم الآباء بذلك تكون النتيجة غير مرضية.
واجبات المعلمين
وواجب المعلمين الاهتمام بالتلاميذ، وإعمال الفكر، والسهر في البحث عن الطرق التي تسهل إيصال المعلومات النافعة إلى أذهانهم، وتدريبهم على النظام، والآداب، والأخلاق السامية.. وأن يكونوا خير قدوة لتلاميذهم، حيث أنهم يسيرون على خطى أساتذتهم في مستقبل الأيام، إن خيرا فخيرا، وإن شر فشرا. …
واجبات التلاميذ
وواجب التلميذ المواظبة على دروسه، والاجتهاد بحفظ ما يتلقى من أساتذته، مع التحلي بالأدب، وحسن الخلق، والسير على النظام، واحترام المعلمين، وقبول إرشاداتهم.
واجبات الحكومة ورعاياها
وواجب الحكومة السعي لإسعاد المحكومين بالمحافظة على الأمن، ومعاقبة المجرمين، وتسيير العدالة بينهم، وفتح المشاريع العامة، ومراقبة أحوال الرعايا من جميع الوجوه. وواجب الرعية نحوها تقديم الطاعة والإخلاص لها، والإمتثال لأوامرها، ومساندتها في جميع ما يخص المصلحة العامة.
واجبات الرؤساء
وواجب الرئيس المحافظة على حقوق المنضوين تحت لوائه بدون تفرقة بين قوي وضعيف، أو غني وفقير، ومسايرتهم على قدر عقولهم، وأن يكون حكيما في تعامله مع كل طائفة بما يلائم حالها، لأن “سياسة الناس أشد من سياسة الدواب” – كما قاله الإمام الشافعي –[8]وان يكون كثير الحلم لأنه ملاك كل خير، وأن لاينعق وراء كل ناعق لأن ذلك يزيل هيبته، وأن لايتتبع زلات الناس بل يتغافل عنها لأن ذلك من الخصال الحميدة، ومن تتبع زلات الناس تتبع الناس زلاته، وقد قال بعض السلف: عظموا مقداركم بالتغافل، وقالوا: السيد العاقل هو الفطن المتغافل[9]؛ وأن يتريث في الأمور ويركزها على الحقائق الثابتة ولايبنيها على الأقاويل والإشاعات، لأنه ذلك مظنة الوقوع في الغلط والخطأ.
فهذا جزء وجيز من الواجبات العمومية، والخير كل الخير في المحافظة عليها والشر في إهمالها والتكاسل عنها، فعلينا أن نؤدي صيامنا بجميع ما يرضي الله ورسوله حتى يكون لنا خير شاهد عند الله. وختاما بهذه الفرصة السعيدة أرفع تهنئاتي إلى العالم الإسلامي عموما، وإلى الشعب الأرتري خصوصا راجيا من الله تعالى أن يوفقنا للقيام بالواجبات، والإنقياد إلى سبيل الخيرات.
[1] سورة البقرة، آية 185.
[2] سورة إبراهيم، آية 7.
[3] سورة الأنفال، آية 46.
[4] حديث رقم 7023، باب الأحكام.
[5] الطبرني، المعجم الكبير، حديث رقم 11216، باب العين.
[6] حديث رقم 6131، كتاب الرقائق. تمام الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة”. قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: “إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة.”
[7] ابن ماجه، حديث رقم 1745، كتاب الصيام. تمام الحديث: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لكل شيء زكاة، وزكاة الجسد الصوم.”
[8] ابن أبي حاتم الرازي، آداب الشافعي ومناقبه، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ص 207.
[9] ينسب هذا القول للإمام الشافعي مع اختلاف طفيف يقول فيه: “اللبيب العاقل هو الفطن المتغافل.” انظر: أبو نعيم الأصبهاني، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، مطبعة السعادة – بجوار محافظة مصر، 1974، ج 9، ص 123.

اترك رداً
تريد المشاركة في هذا النقاششارك إن أردت
Feel free to contribute!