ما صحة حديث أتركوا الحبشة ما تركوكم

(فتوى رقم 63):

السؤال: ما صحة الحديثين التاليين اللذين ذكرتهما الصحف الأثيوبية في عام 1367 هـ تقوية لمقاصدها ضد من يناوئها؟ الأول: حديث “اتركوا الحبشة ما تركوكم”، الثاني: حديث “إن أثيوبيا أرض مباركة، ملوكها خيار، وشعبها مضياف، لا تؤذوا الحبشة، فهى نار راقدة، تحرق من يمسها، الحبشة بلد مبارك حر”*. فهل لهذين الحديثين أصل عن النبي صلى الله عليه وسلم؟

الجواب: أما الحديث الأول فقد أخرجه الحاكم والبيهقي وأبو داود عن عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم: “اتركوا الحبشة ما تركوكم فإنه لا يستخرج كنز الكعبة الا ذو السويقتين من الحبشة” أخرجه الأسيوطي في الجامع الصغير ورمز إليه بالصحة.وقال شارحه المناوي في شرحه “فيض القدير”:

“رمز المصنف إليه بصحته إغترار بتصحيح الحاكم وهو وهم، فقد أعله الحافظ عبد الحق بأن فيه زهير أبن محمد شيخ ابي داود وكان سئ الحفظ لا يحتج بحديثه”

‏وأخرج النسائي في كتاب الجهاد ‏عن‏ ‏رجل من‏ ‏المحررين‏ ‏عن‏ ‏رجل‏ ‏من‏ ‏أصحاب النبي ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏قال:  ‏

‏”لما أمر النبي ‏‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏بحفر ‏الخندق ‏عرضت لهم صخرة حالت بينهم وبين الحفر فقام رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏وأخذ‏ ‏المعول ‏ووضع رداءه ناحية ‏ ‏الخندق‏ ‏وقال‏ ‏تمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ‏‏فندر ‏ثلث الحجر ‏‏وسلمان الفارسي ‏قائم ينظر فبرق مع ضربة رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏برقة ثم ضرب الثانية وقال تمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ‏فندر‏ ‏الثلث الآخر فبرقت برقة فرآها‏ ‏سلمان ‏ ‏ثم ضرب الثالثة وقال تمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ‏ ‏فندر‏ ‏الثلث الباقي وخرج رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فأخذ رداءه وجلس قال ‏ ‏سلمان ‏ ‏يا رسول الله رأيتك حين ضربت ما تضرب ضربة إلا كانت معها برقة قال له رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يا ‏ ‏سلمان ‏ ‏رأيت ذلك فقال إي والذي بعثك بالحق يا رسول الله قال فإني حين ضربت الضربة الأولى رفعت لي مدائن ‏ ‏كسرى ‏ ‏وما حولها ومدائن كثيرة حتى رأيتها بعيني قال له من حضره من أصحابه يا رسول الله ادع الله أن يفتحها علينا ويغنمنا ديارهم ويخرب بأيدينا بلادهم فدعا رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏بذلك ثم ضربت الضربة الثانية فرفعت لي مدائن ‏ ‏قيصر ‏وما حولها حتى رأيتها بعيني قالوا يا رسول الله ادع الله أن يفتحها علينا ويغنمنا ديارهم ويخرب بأيدينا بلادهم فدعا رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏بذلك ثم ضربت الثالثة فرفعت لي مدائن ‏ ‏الحبشة ‏ ‏وما حولها من القرى حتى رأيتها بعيني قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏عند ذلك دعوا‏ ‏الحبشة‏ ‏ما ودعوكم واتركوا‏ ‏الترك‏ ‏ما تركوكم”

قال شارحه العلامة السندي في قوله دعوا الحبشة إلى أخره:

“أي اتركوا الحبشة والترك ما داموا تاركين لكم وذلك لأن بلاد الحبشة وعرة وبين المسلمين وبينهم مفاوز وقفار وبحار فلم يكلف المسلمين بدخول ديارهم لكثرة التعب، وأما الترك فبأسهم شديد وبلادهم باردة والعرب وهم جند الإسلام كانوا من البلاد الحارة فلم يكلفهم دخول بلادهم. وأما إذا دخلوا بلاد الإسلام، والعياذ بالله، فلا يباح ترك القتال كما يدل عليه ما دعوكم وأما الجمع بين الحديث وبين قوله تعالى “قاتلوا المشركين كافة” فبالتخصيص، أما عند من يجوز تخصيص الكتاب بخبر الآحاد فواضح وأما عند غيره فلأن الكتاب مخصوص لخروج الذمي وقيل يحتمل أن تكون الآية ناسخة للحديث لضعف الإسلام ثم قوته، قلت وعليه العمل والله تعالى أعلم”

وأما الحديث الثاني فهو كذب لا أساس له من الصحة ولفظه يشهد عليه بالوضع.

____________________________________

* هذا الحديث المكذوب نشرته جريدة “العلم” في عددها رقم 50 الصادرة في أديس أبابا بتاريخ 5 جمادى الثاني 1367 الموافق 13 أبريل 1948. وكان البعض يروج لأمثال هذه الأحاديث للزعم بعدم جواز الخروج على الحكومة الأثيوبية ومقاومتها.

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × اثنان =