حجة المفتي إلى بيت الله الحرام

في عام 1383هـ الموافق 1964م عزم سماحة المفتي على القيام بأداء فريضة الحج بعد سنوات من التأجيل نظرا للظروف المحيطة به ، ولتحقيق هذا العزم قام سماحته بتقديم الطلب إلى الحاكم العام ونائبه للسماح له بمغادرة البلاد لأداء فريضة الحج ، فجاءه الإذن بعد شئ من المماطلة وبعد تكرر الطلب من سماحته. ورغم أن سماحته يعتبر أكبر مسؤول ديني في القطر والمناسبة التي يسافر من أجلها مناسبة إسلامية ، فإن السلطة لم تمنحه رخصة السفر إلا بعد أن وقع على ورقة يتعهد فيها ويحلف بالله على أن لا يعمل شيئا ضد الحكومة في الخارج ، وبعد أن ضمنه وتكفل به أخوه الأكبر الحاج سليمان.

غادر سماحة المفتي مدينة أسمرة إلى جدة وبصحبته الأستاذ حامد فرج رئيس البرلمان الأرتري سابقا وأحد مستشاري الحاكم العام وآخرون. وفي جدة نزل سماحته ضيفا على الشيخ محمد باشا أبوبكر باخشب أحد كبار التجار ورئيس الجالية العربية في أرترياسابقا. وقد قام الشيخ باخشب بإكرام سماحة المفتي وخصص له ولمرافقه سائقا خاصا يتولى توصيلهم إلى الأماكن التي يحتاجون الذهاب اليها. وفي أثناء إقامته في جدة قام سماحته بجولة في أنحاء وأرجاء المدينة برفقة القائم بأعمال سفارة أثيوبيا بجدة حيث زار أهم المعالم والآثار فيها.

في المدينة ومكة:

وبعد أيام من وصوله اتجه سماحته إلى المدينة المنورة بعد حصوله على تصريح خاص من مدير مكتب التشريفات بجدة ، وفي المدينة المنورة حرص سماحته بعد زيارة الحرم المدني على زيارة الأماكن التاريخية والمكتبات العامة ، حيث زار من هذه المكتبات المكتبة العامة الحكومية و مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت. والتقى بالمدينة بعدد من الشخصيات ومنهم القاضي عبد الحميد الجبرتي قاضي المحكمة الشرعية الكبرى بالمدينة المنورة بالنيابة ، وتحادث معه طويلا في مسائل شتى. والقاضي عبد الحميد هو في الأصل من أهالي تجراي من بيت كبيري ، ومن مواليد مقاطعة جما الأثيوبية ، وقد إستقر في المدينة المنورة منذ أكثر من 40 عاما.

عاد سماحة المفتي من المدينة إلى جدة واتجه منها إلى مكة ونزل في دار المطوف الشيخ عبدالرحمن موسى ابن عبدالقادر كبيري أحمد. وكان عبد الرحمن موسى مطوف الحجاج من أرتريا وغيرها ، وقد ولد في حوالي 1327هـ ، وهو من أصل “تجراوي” حيث ولد والده في تجراي في عهد الملك يوحنا* ، ثم هاجر من بلده فرار بدينه إلى مكة المكرمة بعد أن فرض الملك المذكور التنصير العام على المسلمين في بلاده. ومن مكة إنطلق سماحته إلى المشاعرالمقدسة وعاد إلى جدة بعد أن أتم حجته على أكمل وجه.

لقاءات وحفلات عامة:

وقد حضر سماحته عددا من حفلات الحج في منى ومكة وجدة ، والتقى خلالها بعدد من الشخصيات. فقد التقى سماحته ضمن وفود الحجاج في منى بالأمير فيصل بن عبد العزيز في قصره الحكومي ، وحضر في حفلة الحكومة السعودية لزعماء الحجاج في مكة ، وحضر أيضا حفلة رئيس بعثة الحج الباكستانية والتقى سماحته في هذا الحفل برئيس وزراء نيجيريا الشمالية أحمد بلو ، ومفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني ، وجمعا آخر من العلماء وسفراء الدول الإسلامية.

وفي جدة حضر سماحته حفلة سفير أثيوبيا في فندق قصر البحر الأحمر بجدة والتقى هناك بسلطان “أوسا” السلطان علي مرح للمرة الثانية ، وتحادث في هذا اللقاء مع مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني ومع سكرتير رابطة العالم الإسلامي الشيخ محمد سرور الصبان وغيرهم من الشخصيات.  وحضر أيضا حفلة أمير الحج السوداني في سفارة السودان بجدة. وقد  وصلت إلى سماحته دعوات أخرى من بعثات الدول المختلفة ولكنه لم يتمكن من الحضور فيها. وكانت أحاديث سماحته مع الشخصيات المختلفة لا تتجاوز الأحاديث العامة وكلمات المجاملة حيث كان سماحته على علم بأنه كان مراقبا من قبل البعثة الأثيوبية.

نشرات سياسية:

وفي منى وصلت إلى سماحته منشورات الثورة الأرترية وغيرها التي كانت توزع على جموع الحجاج ، وقد وصلت إليه المنشورات التالية:

– نشرة من 5 صفحات صادرة من إئتلاف أحزاب الجبهة الديمقراطية الأرترية الكتلة الإستقلالية

– نشرة من صفحتين من حركة تحرير أرتريا عنوانها: “أنقذوا أرتريا وشعبها”

– نشرة من صفحة واحدة من حركة تحرير أرتريا عنوانها “إلى حجاج بيت الله”

– نشرة من ثلاث صفحات من الرابطة الإسلامية الأرترية (الأمانة العامة) عنوانها “نداء وصرخة إلى حجاج بيت الله”

– نشرة من صفحة واحدة من جبهة تحرير أرتريا عنوانها “إلى حجاج أرتريا”

– نشرة من أربع صفحات من الإتحاد العام لتحرير هرر عنوانها “أخي المسلم”

وكانت السفارة الأثيوبية بدورها تقوم بالدعاية في وسط وفود الحجاج وتوزع مجانا الكتب والنشرات ، وقد وصلت إلى سماحته المطبوعات التالية:

– أثيوبيا في عهد هيلى سلاسي لمؤلفه عبدالرحمن محمد الحص اللبناني

– لمحات خاطفة عن أثيوبيا ، وهذا كتيب مكون من عشر صفحات مصورة وفي أوله صورة لجامع أغردات وفي أخره صورة لجامع مصوع اللذان جددهما الأمبراطور ، وصور لإجتماعات وأسماء الأشخاص الذين أيدوا إنضمام أرتريا ، ومزاعم أخرى يصفها سماحته بأنها “غير صحيحة”.

غادر سماحة المفتي مدينة جدة بعد إتمام شعائر الحج في 19 ذي الحجة 1383 هـ. وقد كتب سماحته بعد عودته رسالة شكر للسلطات السعودية فيما يلي نصها:

إلى السيد مدير التشريفات للمملكة العربية السعودية بجدة

الموضوع : الشكر والدعاء

بالإشارة إلى خطابكم المؤرخ 12 من ذي الحجة 1383هـ ، أشكركم على التسهيلات الممنوحة لنا من سيادتكم في أيام تنقلاتنا ، وعلى ما لمسنا وشاهدنا من الراحة والعناية بحجاج بيت الله وبالحرمين الشريفين ، داعين الله السداد والتوفيق لسدنتهما لخدمة الإسلام والمسلمين بأعمال مجيدة تكون لهم لسان صدق في الآخرين .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

29 محرم1384هـ الموافق 10 يونيو 1964

مفتي الديار الأرترية.

أوقاف الجبرتي وبيت الحجاج الأرتريين بمكة:

وفي أثناء إقامته في مكة والمدينة إهتم سماحة المفتي بالأوقاف المخصصة لمسلمي أرتريا والحبشة والمعروفة بأوقاف الجبرتي. وقد استفسر سماحته أثناء وجوده بالمدينة من القاضي عبد الحميد المتقدم ذكره عن وقف الجبرتي في المدينة المنورة ، فذكر له القاضي بأنه يوجد وقف قديم أوقفه أحد الأغوات منذ 80 عاما على بعض البلاد الحبشية ، وقد نشأ فيه بين المستحقين نزاع ناتج عن تعريف من يطلق عليهم إسم الجبرتي ، ومحصول الوقف السنوي يقارب 10000 ريال سعودي. وذكر القاضي أيضا أنه كان هناك رباط قديم للجبرتي بجانب المسجد النبوي ، وأهمل التعويض عليه لعدم مطالبة المستحقين بحقوقهم. وأشار القاضي إلى أن وقف الجبرتي الموجود أصبح قديما ويحتاج لما يقارب 20000 ريال لتجديده ، وطلب من سماحته أن يجمع التبرعات من التجار من أجل إصلاح الوقف. وقد أوصى سماحة المفتي القاضي بالإهتمام بأوقاف الجبرتي والمحافظة على سجلاتها ، حتى لا يصير حالها كحال أوقاف رواق الجبرتي بالأزهر ، واقترح عليه أن يوجه ريع الوقف للقيام بما يحتاج إليه الوقف من إصلاحات. (أنظر صفحة الحوادث: فقرة “رواق الزيالعة والجبرتي).

وفي مكة استفسر سماحته من المطوف الشيخ عبدالرحمن عن رباط وقف الجبرتي في مكة ، فقال له يوجد وقف باسم الجبرتي ولكن الملك حسين قد جعل نظارته لذريته وهم موجودون في القاهرة. واستفسر سماحته أيضا عن منزل الحجاج الأرتريين بمكة والذي اشترته الحكومة الإيطالية لحجاج مستعمراتها ، وكان قصرا يحتوي على خمس طبقات واستمر حجاج الأقطار الثلاثة (أرتريا ، الصومال ، ليبيا) يأوون إليه مدة 50 عاما إلى عام 1380هـ ، وبعد ذلك صارت خاصة لحجاج ليبيا وحدهم. وقد قام سماحة المفتي بالتحقيق في الموضوع وجمع كل ما يتعلق بهذا الوقف ، وقد حاول جاهدا على أن يحصل على الحجة الأصلية للقصر ولكنه لم يتمكن من ذلك.

وقد إشترت الحكومة الإيطالية هذا المبنى بمبلغ 3000 جنيه ذهبية ، واختارت 6 ممثلين من أبناء مستعمراتها الثلاثة ، ومن أرتريا كان ممثليها الشيخ محمد سالم باطوق وطاهر شنيتي ، وحصل خلاف فيمن يسجل المنزل باسمه فصارت الكلمة للأمير الشريف حسين ، فأمر بالتسجيل على أنها وقف للحرم المكي باسم المغاربة الليبيين وتم التسجيل في عام 1330هـ الموافق 1911م ، وفيما بعد (بعد سقوط الإيطاليين) حاول شخص من أرتريا بأن يسجل القصر باسمه ، فقام المغاربة الليبيون برفع شكوى ضده وحصلوا على إعلان آخر من المحكمة ، وبعد ذلك تحول المنزل إلى مسؤولية الليبيين في حوالي1380هـ الموافق 1961م

____________________________

* الملك يوحنا:

– الملك يوحنا (يوهنس) حكم إقليم التيجراي وتلقب بملك الملوك ، ودان له حكام الولايات الأخرى في الحبشة ، واستمر حكمه من عام 1872-1889م.

– في عام 1878م عقد الملك يوحنا مجمعا يضم رجال الكنيسة الحبشية ، وفيها تقرر فرض التنصير على الجميع على مذهب اليعاقبة ، فأمهل أتباع المذاهب النصرانية الأخرى عامين ليتحولوا إلى مذهب اليعاقبة ، والمسلمين 3 سنوات ، والوثنيين 5 سنوات.

– ورغم تحديد هذه المهلة فإن التنصير بدأ مبكرا وأرغم الآلاف على التنصير. ويذكر المؤرخ “مساجا” أنه أرغم في عام 1880م 50 الف مسلم على التعميد.

– يقول الأستاذ فتحي غيث في كتابه : الإسلام والحبشة عبر التاريخ في وصف حكم الملك يوحنا “ولقد تميز عهده بشدة ضغطه وقسوته على المسلمين والوثنيين واليهود ، وحدد للجميع فترة أقصاها ثلاثة سنوات يتحتم أن يتحول الجميع أثناءها إلى الدين المسيحي ، وبطبيعة الحال إختص المسلمين بمزيد من القسوة ، وفرض عليهم أن يبنوا كنائس على نفقتهم بجوار مساكنهم ، وأن يدفعوا عشورا خاصة للقسس والكنائس التي في مناطقهم ، وأخذ يستعمل مختلف الوسائل لتعذيبهم والحط من شأنهم ، فلجأ كثيرون منهم إلى الفرار من الهضبة إلى المناطق البعيدة عن سلطانه. بينما اضطر الكثيرون إلى التظاهر باعتناق المسيحية حتى يأمنوا على أنفسهم وعلى أرزاقهم ، ولكنهم ظلوا في صميم قلوبهم مسلمين متسترين على إسلامهم ، حتى إذا حانت ساعة وفاة أحدهم نطق بالشهادتين”

– قتل الملك يوحنا على يد جيوش الحركة المهدية في معركة “متما” المشهورة في 29 مارس سنة 1889م ، وبذلك إنتهى مشروعه التنصيري بالفشل الذريع.

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 − 16 =