انتهاء عهد الانتداب البريطاني وعبور إمبراطور أثيوبيا جسر مأرب

كان عبور الإمبراطور هيلى سلاسي جسر مأرب ودخوله إلى أرتريا بعد إنتهاء الإنتداب البريطاني ونفاذ قرار الأمم المتحدة الفيدرالي حدثا خطيرا كانت له تبعات وآثار شملت المنطقة كلها. وكان عبوره إيذانا ببداية عصر جديد هلل وفرح له أنصار الاتحاد مع أثيوبيا فرحا شديدا وتوجس منه الاستقلاليون والمسلمون توجسا كبيرا لما علموه من ماضي الإمبراطور في حكم البلاد حكما إستبداديا ومعاملته الغير عادلة لرعاياه المسلمين. وقد كتب سماحة المفتي في ذلك الوقت ما يشير إلى هذا حيث قال:
“وعلى حسب إعتقادي إن العصر الذي ندخل في بحره سيكون من أخطر العصور خيرا أو شرا، ويحتمل أن يسمى عصر الحكومة الوطنية الأرترية إن طبق قرار الأمم المتحدة ودستور أرتريا نصا وروحا، فيكون حينئذ عصرا ديمقراطيا؛ ويحتمل أن يسمى عصر الحكومة الأثيوبية إن لم يطبق ما ذكرنا على الصفة المشار إليها، فيكون عصرا ديكتاتوريا مظلما”

وقد شهد سماحته حدث عبور الإمبراطور جسر مأرب ودخوله إلى أرتريا، حيث وصله خطاب من رئاسة الحكومة الأرترية في 12 محرم 1372 الموافق 2 أكتوبر 1952 لإشعاره بموعد وصول الإمبراطور إلى جسر مأرب وطلب حضوره هناك ليكون ضمن المستقبلين له. وإثر وصول هذه الدعوة تحرك سماحته مع مرافقيه ومنهم فضيلة قاضي المحكمة العليا الشيخ إدريس حسين سليمان متجها صوب الحدود الأرترية-الأثيوبية حيث يوجد جسر مأرب.
وفي صباح يوم السبت 14 محرم 1372 الموافق 4 أكتوبر 1952م في حوالى الساعة الثامنة والنصف صباحا وصل ركب الإمبراطور ومعه الوزراء، والرؤساء، وحكام الأقاليم ألأثيوبية، وأولاده، وزوجته، ورجال الدين المسيحي، والحرس الإمبراطوري، في ركب مكون من حوالي 60 سيارة. وقد سبق وصوله تحليق الطائرات وإلقاؤها النشرات تحية وترحيبا بالملك.
ولما وصل الإمبراطور إلى الجسر نزل من سيارته حيث كان في انتظاره جيش من المصورين ومراسلوا الإذاعات، ثم وقف في محل مرتفع مزين بالأعلام الأثيوبية ووقفت زوجته بجواره، وتقدم ممثله في أرتريا “بتودد إندرقاشوا” زوج ابنته وألقى كلمة نوه فيها بالنصر الذي حازه الإمبراطور بضم أرتريا إلى أمها، مشيرا إلى أنه لم يحظ بمثل هذا النصر أحد من ملوك أثيوبيا، حيث لم يستطيعوا تجاوز نهر مأرب. ثم تقدم “تدلا بيروا” رئيس الحكومة الأرترية وألقى كلمة رحب فيها بالإمبراطور وشكره على زيارته الملكية، ثم ألقى الإمبراطور كلمة شكر الله فيها لإعادته أرتريا إلى أمها أثيوبيا بعد إنفصال طويل، وذكر أن عبوره نهر مأرب هو نصر عظيم لشعب أثيوبيا وقال في ختام كلامه : لقد أتيت هنا لأحقق الإستقلال لبلادي بما في ذلك أرتريا التي سيعيش شعبها من الآن فصاعدا تحت ظل العلم الأثيوبي.

وبعد الإنتهاء من إلقاء كلمته نزل من مكانه وقطع الشريط بالمقص الذهبي، ثم تحرك موكبه في التاسعة صباحا وخلف الموكب سيارات المستقبلين والجماهير التي حضرت لاستقباله. وصار الموكب مارا عبر القرى والمدن، وكان سكان كل منطقة يخرجون وهم يحملون راياتهم وكان الغالب على المسلمين حمل الراية الأرترية أو راية المساجد والغالب على أنصار الإتحاد حمل راية أثيوبيا.

وقد تعرض سماحته والوفد المرافق له في هذه الرحلة لمضايقات شبان حزب الاتحاد ومن يتبعهم من العوام الذين لم يكفوا من السخرية والاستهزاء من سماحته ومرافقيه وكل من لم يؤيد الإنضمام إلى أثيوبيا. وقد ذكر سماحته أن هذا الأسلوب من الإستهزاء والسخرية ظل يلاحقهم طوال الطريق “من عدي وقري إلى أسمرة”.

وصل الإمبراطور إلى العاصمة مع الركب الطويل في الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر. وقد صرفت بلدية أسمرة ما يقارب 100 الف جنيه في تزيين المدينة والإستعداد لإستقباله. ووسط الحشود التي خرجت لاستقباله وصل الإمبراطور إلى قصر الوالي حيث ألقى خطبة طويلة ذكر فيها أن أرتريا جزء من أثيوبيا، وأن أسمرة أسسها “راس ألولا”، وأن “عدوليس” كانت ميناءا لأثيوبيا. ثم سرد بعد ذلك انتصارات أثيوبيا في أيام أسلافه في هرر وتاجورة وعصب وغيرها.

وفي الساعة الثامنة ليلا أقيم إحتفال كبير في حديقة القصر حضره سماحة المفتي ضمن المدعوين. وقد تخلف عن هذه الإحتفالات رئيس الحكومة الأرترية حيث وصل إلى أسمرة مريضا وأدخل في المستشفى الأمريكي. وفي هذه الزيارة وزع الملك الهدايا والنياشين والألقاب على أنصاره والموالين له. وخص رئيس الحكومة ورئيس الجمعية التمثيلية بأفخم الألقاب وأغلى الهدايا. وفي أثناء إقامته في أسمرة قام بزيارة عدد من الأماكن ومنها أكبر الكنائس الأرثوذكسية في أسمرة، كنيسة القديسة مريم.

زيارته لجامع أسمرة:
وقد طلب الإمبراطور زيارة جامع الخلفاء الراشدين بأسمرة، فاجتمع أعيان المسلمين برئاسة سماحة المفتي لتدارس الأمر، ورغم شعور الحزن الذي كان يغلب على المسلمين لدخول الإمبراطور إلى أرتريا، فإنهم قرروا الإحتفاء به وحسن استقباله بصفته رئيسا للحكومة الفيدرالية، ولقطع الطريق على العناصر الاتحادية التي كانت تسعى لإيغار صدر الإمبراطور وتأمل منه أن يتخذ إجراءات إنتقامية من غير الاتحاديين.
تمت زيارة الإمبراطور للجامع في الساعة 11 صباحا من يوم الجمعة 20 محرم 1372 الموافق 10 أكتوبر 1952م ، وكان سماحة المفتي في مقدمة مستقبليه. وقد تم استضافته في خيمة كبيرة نصبت في فناء الجامع وزينت بأحسن وأبدع زينة. وقد ألقى سماحته كلمة الترحيب باللغة العربية ترجمها إلى الأمهرية محمد صالح عبد القادر كبيري ، وألقى الإمبراطور بعده كلمة ترجمها إلى العربية الكولنيل أمان عندوم. وبعدها قام الإمبراطور بجولة في أنحاء المسجد والمكتبة الإسلامية المجاورة له. وقد استفسر الإمبراطور من سماحته عن عدد المصلين في الجامع، وعن عدد المدارس الإسلامية في أسمرة ، وعن عدد الطلبة في مدرسة المعهد المجاورة للمسجد، فأجابه سماحته بأن عدد المصلين يقدر ب10 آلاف شخص، وعدد المدارس الإسلامية في أسمرة 4، وعدد الطلبة في المدرسة المجاورة للمسجد 600. وقد تبرع الملك لهذه المدارس بمبلغ 5 آلاف دولار.
وقد قام طلبة المدارس الإسلامية، وشباب جمعيات الشبان المسلمين بإلقاء الأناشيد الإسلامية المختلفة. وكان السرور والابتهاج باديا على الإمبراطور من الحفاوة التي استقبل بها.

وكان الإمبراطور قد اتجه في يوم الثلاثاء 17 محرم 1372 الموافق 7 أكتوبر 1952م إلى مصوع، وفي اليوم التالي قام بزيارة مدرسة “صالح باشا كيكيا” في “حرقيقوا” والتي غير اسمها إلى مدرسة الإمبراطور هيلى سيلاسى. وقد تلت هذه الزيارة زيارات أخرى لمناطق مختلفة من أرتريا.

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × ثلاثة =