حكم بيع المساجد والأوقاف المهدومة

(فتوى رقم 45)

السؤال: مساجد في مدينة مصوع انهدمت بالزلازل ، وأصبحت أراضي خالية وتعذرت إعادتها لأمور منها:

أولا: لعدم وجود أموال تعمر منها.

ثانيا: لمنع الحكومة إعادة بناءها ، محافظة على نظام شوارع المدينة بعد إدخال بعض أراضيها في الشوارع ، وجعل البعض الأخر أفنية للمنازل. والحكومة وأصحاب المنازل مستعدون لدفع قيمة تلك الأراضي إذا طالبناهم بها.

ثالثا: الإستغناء عنها بمساجد جديدة ، أحسن منها موقعا ، وأكثر سعة ، وأفضل هيئة.

رابعا: لكون تلك الأراضي ، بعد ذهاب بعض أجزائها ، أصبحت قطعا صغيرة لا تصلح للمساجد ، ولتحولها على مر الأيام إلى مزابل تطرح فيها الوساخات والنجاسات.

ولو تركت هذه القطع على حالها يخشى زوال أثرها تماما ، خصوصا بعد تغيير أسماء الشوارع والبنايات المحيطة بها التي كانت تعرف بها في السجلات ، وتعدد المالكين لها..

والخيار أمامنا : إما تركها إلى الضياع ، أو بيعها والإنتفاع بثمنها.  فهل يجوز شرعا والحالة كما ذكر بيع هذه القطع وبناء عقارات آخرى من ثمنها بدلا عنها….

 

الجواب: تجب المحافظة على عين الوقف إن أمكن الإنتفاع منه حالا أو مآلا ، عملا بالأصل وسدا للذرائع ، وخصوصا المساجد لأن الأصل تحريم بيع الوقف ، لحديث الشيخين “لا يباع ولا يورث ولا يوهب” ، وإن لم يمكن ذلك وخرب أساسه ، وخيف ضياعه فقد إختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال:

القول الأول : الوقف الخرب يجوز بيعه إذا انهدم المسجد وتعذرت إعادته وبه قالت الحنابلة ، واستدل على ذلك إبن قدامة المقدسي في المغني بأن عمر رضي الله عنه كتب إالى سعد لما بلغه أنه قد نقب بيت المال الذي في الكوفة : أنقل المسجد الذي بالتمارين ، واجعل بيت المال في قبلة المسجد فإنه لن يزال في المسجد مصل. وكان هذا بمشهد من الصحابة ولم يظهر خلافه فكان إجماعا .

 القول الثاني: لا يجوز البيع ويبقى المسجد إلى الأبد ، وهو قول أبي يوسف وإحدى الروايتيين عن أبي حنيفة ، وعزاه ابن قدامة المقدسي في المغني إلى الشافعي والإمام مالك وكذا الدمشقي في رحمة الأمة. واحتج لهم بحديث الشيخين عن ابن عمر رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يباع ولا يورث ولا يوهب”. ونقل شيخ مشائخنا محمد عليش في فتاويه فتح العلي المالك روايتان عن الإمام مالك إحداهما في المنع ، والثانية في الجواز واختار الأخيرة جماعة من متأخري المالكية وأفتوا به كما سيأتي قريبا.

 القول الثالث: يعود إلى بانيه وإلى ورثته ، وبه قال محمد ابن الحسن الشيباني ، قيل وأحد روايتي أبو حنيفة ، وصحح قوله جماعة من متأخري الحنفية. واحتج له بأن الوقف إنما هو تسبيل المنفعة فإذا زالت منفعته زال حق الموقوف عليه فزال ملكه عنه.

 وسأذكر لك فيما يلي بعض عبارات كتب المذاهب الأربعة لتكون على بصيرة من ذلك.

من كتب الحنفية في المسجد الخرب:

وسئل خير الدين الرملي الحنفي عن مثل هذه المسألة في فتاويه فأفتى ما نصه أدناه:

“إن المسألة فيها خلاف بين الأئمة الأسلاف ، فقال أبو يوسف يبقى مسجدا أبدا إلى قيام الساعة لا يعود ميراثا ولا يجوز نقله ولا نقل ماله إلى مسجد أخر سواء كان يصلون فيه أو لا، وعند محمد يعود إلى صاحبه إن كان حيا وإلى ورثته إن كان ميتا، وإن كان لا يعرف بانيه  أو عرف ومات ولا وارث له واجتمع أهل الحلة على بيعه والإستعانة بثمنه في المسجد الآخر فلا بأس به وتصرف أوقافه إليه ، وفي الإسعاف وكثير من الكتب أن بعضهم ذكر أن قول أبي حنيفة كقول أبي يوسف وبعضهم ذكر أن قوله كقول محمد رحمه الله.  محمد يقول أن الباني أخرجه من ملكه لجهة من المنافع فإذا بطل الإنتفاع لتلك الجهة لا يمنع عوده إلى مالكه كالكفن إذا افترس الميت السبع عاد إلى ملك الورثة ، وأبو يوسف يقول إنه إسقاط فلا يعود إليه كالإعتاق ألا ترى أن المسجد الحرام استغني عنه في زمن الفترة ولم يعد إلى ورثة الباني والفتوى على قول أبي يوسف كما في الحاوي القدسي وفي المجتبى وأكثر المشائخ على قول أبي يوسف ورجحه في فتح القدير بأنه الأوجه. وصحح قوم قول محمد وفي الواقعات للصدر الشهيد المسجد إذا خرب وهو عتيق لا يعرف بانيه وبنى أهل المسجد مسجدا آخر فباع أهل المسجد الأول واستعانوا بثمنه في بناء المسجد الثاني على قول من يرى جواز هذا البيع وإن كنا لا نفتي به جاز في الخلاصة والبزازية عن الحلواني إذا خرب مسجد وتفرق الناس عنه تصرف أوقافه إلى مسجد آخر وفي النوازل وكثير من الكتب إنه لا بأس به، وهذا كله على قول محمد رحمه الله. فتحرر من هذا التقرير أن المسألة إجتهادية وللإختلاف فيها مجال وللإجتهاد فيها مساغ فإذا توفرت شروط الحكم على قول الإمام الثالث الذي رويت موافقته فيه لقول الإمام الأعظم بعد النظر في المصلحة للمصلين والإعانة للمتعبدين فلا شك في صحته ونفاذه وارتفاع الخلاف فيه، فانظر إلى قوله في الواقعات وإن كنا لا نفتي به جاز وما ذلك إلا أنه قد تكون المصلحة فيه متعينة ، فإذا علم الله سبحانه وتعالى خلوص النية وصفاء الطوية وقصد الأخرة والأجور الوافرة والأخذ بما هو يسر وطرح ما هو عسر فهو خير محض ونفع صرف فإن الدين كله يسر ، وإن خشي عاقبة السوء وانقلاب موضوع فالعمل بما عليه الفتوى أولى ، والأمور بمقاصدها. وكم من شئ واحد يكون طاعة بالنية الخيرية ويكون شرا بالنية الشرية والله أعلم” .

وفي الجامع الوجيز لحافظ الدين الرازي الكردري الحنفي نقلا عن الظهيري: “مسجد عتيق لا يعرف بانيه لأهل المحلة بيعه وصرف ثمنه إلى مسجد أخر”.

وفي رحمة الأمة في اختلاف الأئمة لمحمد عبدالرحمن الدمشقي: “إتفقوا على أنه إذا خرب الوقف لم يعد إلى ملك الواقف ثم اختلفوا في جواز بيعه وصرف ثمنه في مثله وإن كان مسجد فقال مالك والشافعي يبقى على حاله ولا يباع ، وقال أحمد يجوز بيعه وصرف ثمنه في مثله وكذلك في المسجد إذا كان لا يرجى عوده وليس عند أبي حنيفة نص فيها واختلف صاحباه فقال أبو يوسف لا يباع وقال محمد يعود إلا مالكه الأول”.

من كتب المالكية في الوقف الخرب:

وفي فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك للشيخ محمد عليش ، بعد نقل كلام أهل المذهب في الوقف الخرب: “فتحصل من هذه النصوص أن في العقار الموقوف إذا انقطعت منفعته ولم يرجى عودها سواء كان في مدينة أو بعيدا من العمران لمالك قولان:

الأول: المنع وهو المشهور عنه في المدونة والعتبية والموازية وغيرها وعليه اقتصر خليل في مختصره. والثاني: الجواز وهو ما رواه عنه أبو الفرج في حاويه وقال به جماعة من العلماء ورجحه ابن عرفة وبه واقعة الفتوى والحكم وقال سعيد ابن لب أنه الصحيح من القولين ، وقال يحي ابن خلف أنه الصواب إن شاء الله تعالى”.

من كتب الشافعية في المسجد الخرب:

قال شيخ المذهب أبو زكريا يحي النووي في منهاجه: “ولو إنهدم وتعذرت إعادته لم يبع بحال لإمكان الإنتفاع به حالا بالصلاة في أرضه لأن ما لا يجوز بيعه مع بقاء منافعه لا يجوز بيعه مع بقاء تعطله كالمعتق فالمسجد أشبه الأشياء بالمعتق”.

من كتب الحنابلة في المسجد الخرب:

قال ابن قدامة المقدسي في المغني: “مسجد إنتقل أهل القرية عنه وصار في موضع لا يصلى فيه وضاق بأهله ولم يمكن توسيعه في موضعه أو تشعب جميعه فلم يمكن عمارته ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته وإن لم يمكن الإنتفاع بشئ منه بيع جميعه.

قال ابن عقيل الوقف مؤبد فإذا لم يكن تأبيده على وجه تخصيصه استبقينا الغرض وهو الإنتفاع على الدوام في عين أخرى وإيصال الأبدال جرى مجرى الأعيان وجمودنا على العين مع تعطلها تضيع للغرض ولا يرجع إلى مالكه كما قال محمد ابن الحسن لأن الوقف إزالة الملك على وجه القربة فلا يعود إلى مالكه باختلاله وذهاب منافعه كالعتق.

وقال أبن القيم الجوزية الدمشقي في كتابه بدائع الفوائد مسجد عليه وقف خرب وليس في وقفه ما يفي بعمارته هل يجوز نقل ذلك إلى عمارة الجامع الذي لا غنى للقرية عنه: وقال جماعة يجوز وخالفهم ابن عقيل فقال يجب صرف دخل المسجد إلى عمارته بحسبها وقد كان سقف مسجد النبي صلى الله عليه وسلم سعفا إنتهى. والتحقيق في المسألة أن المسجد إن تعطل بحيث انتقل أهله عنه وبقي في مكان لا يصلى فيه فالصواب ما قاله الجماعة، وإن كان جيرانه بحالهم وهو بصدد أن يصلى فيه فالصواب ما قاله ابن عقيل والله أعلم”.

الخلاصة:

فإذا علمت ما تقدم من نصوص علماء المذاهب ظهر لك أن غير الشافعية أجازوا بيع الأوقاف المعطلة للضرورة الملجئة إما إتفاقا كالحنابلة وإما مع اختلاف الروايات كالحنفية والمالكية ، والمانعون كالشافعية عللوا ذلك بإمكان الإنتفاع بالصلاة على أرضه. وفي مسألتنا هذه تعذر ذلك بما ذكر آنفا فكاد أن يكون جواز بيعها متفقا عليه لتعين بقاء أثارها في ذلك دون غيرها. وقد قال العلامة ابن عابدين في تنقيحه : “يتعين الإفتاء بما هو أنفع وأصلح للوقف” والنفع هنا في بيعها فحينئذ يجوز بيعها وبناء عقارات آخرى من ثمنها بدلا عنها لتكون وقفا على اسم صاحبها ولتصرف غلتها إلى المساجد المحتاجة إلى المال العامرة بالمصلين ، أو تجمع غلاتها ثم يبنى بها مسجد في محل آخر على اسم صاحبه إذا كانت غلته المجتمعة كافية لذلك لأن في عمل ذلك إستبقاء الوقف بمعناه عند تعذر بقائه بصورته ، والأمور بمقاصدها لا بمظاهرها والله أعلم .

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × 4 =