محنة أسرة راس تسما أسبروم في العهد الفيدرالي

“راس تسما أسبروم” (Ras Tessema Asberom) شخصية وطنية بارزة ، لعبت دورا مهما في فترة تقرير المصير في أرتريا. تزعم “حزب الأحرار والتقدم” الذي أسس في عام 1947م ، وكان حزبه حليفا لحزب الرابطة الإسلامية ، وجزءا من الكتلة الإستقلالية الداعية لإستقلال أرتريا.
يقول سماحة المفتي في شأنه: “إن راس تسما كان في مقدمة مشاهير رجال أرتريا ، وكان له إحترام ملحوظ بين الوطنيين ، وعلى الأخص لدى المسيحيين ، وكان من الزعماء الإستقلاليين” . ونتيجة لمواقفه الداعية لإستقلال أرتريا ، فقد تعرض كغيره من الزعماء الوطنيين لمحن طالت أفراد أسرته والمقربين منه. وكان من أسوأ ما تعرض له هو إعتقال عدد من أبنائه وأفراد أسرته ، وعزل عدد منهم من مناصبهم بدون أي مبررات قانونية. وقد دون سماحته بعضا مما تعرض له “راس تسما” وأفراد أسرته وفيما يلي نبذة من ذلك.
· في يوم السبت 24 أكتوبر 1953م في الساعة العاشرة مساءا قبض البوليس على شخصين بتهمة محاولة إغتيال رئيس السلطة التنفيذية “تدلا بيروا”* أثناء توجهه إلى سينما أودين. وكان المتهمان: “إياسوا” إبن “راس تسما” الذي كان موظفا في مصلحة الرسوم الحكومية ، و”ميكيل وللا” الذي كان يعمل فراشا في المحكمة العليا الفيدرالية بأسمرة ثم فصل عنها. وقد ذكر بيان الحكومة أنه وجدت مع “إياسوا” قنبلتين يدويتين ، ومسدسا محشوا بالرصاص ، ووجدت مع الثاني قنبلة يدوية.
· وقد نشرت الصحف الرسمية هذا الخبر في صفحاتها الأولى ، وذكرت بكثير من التمجيد والإطراء الميجر “سيوم” الذي تولى عملية كشف “المؤامرة” والقبض عليهما. وقد ظل الإعلام يذكر تفاصيل “المؤامرة” ، ويسرد البرقيات التي وصلت رئيس السلطة التنفيذية تهنئه بسلامته من محاولة الإغتيال ، والقبض على الجناة.
· وعقب القبض على المذكورين قبض البوليس على أقارب “إياسوا راس تسما” وهم : إخوته أزماش “جبري كيدان تسما” ، و “دجازماش أبرها تسما” وابنه “جرازماش أسبروم أبرها تسما” ، وقد قام البوليس بتفتيش بيوتهم جميعا.
· وكان “جبري كيدان تسما” عضوا برلمانيا يتمتع بالحصانة البرلمانية ، وكان القبض عليه خرقا لمادة 54 من الدستور الأرتري. وقد تم تبرير القبض عليه بأنه حصل بإذن من رئيس الجمعية علي راداي**. وقد حاول رئيس الجمعية فيما بعد رفع الحصانة البرلمانية عن “جبرى كيدان” ، وإعتماد الإذن الذي أصدره من الجمعية ، ولكن أكثرية أعضاء الجمعية صوتت ضد طلب رئيس الجمعية ، واعتبرت القبض على النائب “جبرى كيدان” غير قانوني.
· وهنا ورد خطاب من رئيس السلطة التنفيذية يطلب فيه من الجمعية إعادة النظر في القرار بزعم أن “مصلحة الأمن العام” المقررة في المادة عشرين من إعلان رقم 104 لعام 1952م تقتضي ذلك. وبناءا على طلبه ، وبتكتل من النواب الموالين لحزب الإنضمام صوت أكثرية أعضاء الجمعية بالموافقة على طلب رئيس السلطة التنفيذية ، وذلك في 29 أكتوبر ، وبذلك صار جميع أولاد راس تسما في السجن.
· ومنذ ذلك التاريخ تم عزل جماعة من بيت راس تسما ومن أصهاره (ومنهم : راس تسما ، وأخوه دجزماش برهي ، وابنه جبرى كيدان ، وحفيده جرازماش أسبروم أبرها تسما ، وصهره دجازماش جبرى زقي) وفصلهم جميعا عن وظائفهم. ويؤكد سماحة المفتي أن هذه كلها كانت أعمال إنتقامية ضد المنادين بالإستقلال.
· وقد رفع “دجيات أبرها” وولده وأخيه “جبرى كيدان” قضية ضد الحكومة الأرترية ، فأصدرت المحكمة في 21 ديسمبر 1953 م برئاسة مستر شيرر*** وعضوية هالون الإنجليزيان ، وأوستن وبرونا الإيطاليين ، وملس قري ، حكما بعدم قانونية إجراءات الحكومة في القبض عليهم ، فخرج الثلاثة أبرياء بعد أن مكثوا في السجن 57 يوما. ولم تنشر الصحف خبر الإفراج عنهم رغم أنها نشرت خبر القبض عليهم في صفحاتها الأولى.
· وفي 2 فبراير 1954م حكمت المحكمة الإقليمية بأسمرة بعشر سنوات سجن “لإياسوا تسما” بزعم أنه كان حاملا للمسدس والقنابل ، وبراءة الثاني لكونه متعاونا مع البوليس في كشف “المؤامرة”.
· وفي 17 أبريل أصدرت المحكمة الكبرى برئاسة مستر شيرر وعضوية مستر برونا حكما يبطل حكم المحكمة الإقليمية بأسمرة ويبرئ “إياسوا تسما” من التهم المنسوبة إليه. وفور صدور هذا الحكم خرج “إياسوا” من السجن بعد أن مكث فيه 5 أشهر و 23 يوما. ويشير سماحة المفتي في تعليقه على هذا الحكم بأنه كان “من حسن الصدفة أن كان على رأس القضاء بعض الأوروبيين القانونيين الذين حققوا المسألة وتبينوا أنها ذات دوافع إنتقامية فأصدروا حكما بالبراءة ، ولولاهم لحكم عليهم الظالمون من خلال قضاة من صنع أيديهم بأنهم مذنبون جميعا”.
· وقد ذكرت مصادر مقربة من المحكمة العليا أن رئيس الحكومة قد كتب غاضبا إلي مستر شيرر قائلا فيه :إن أعمالكم أصبحت لا تتفق مع تقاليد البلاد لذا أطلب منكم أن تستقيلوا من منصبكم”. فرد عليه مستر شيرر: أننا نحن معاشر الإنجليز مقيدون بالقانون ولا نستطيع أن نتعداه ، ولا مانع من الإستقالة عن منصبي ولكن تذكرون بيني وبينكم عقد خدمة مفهوم شروطها ، … وأريد منكم شرح السبب الذي طلبتم لاجله الإستقالة.
· وقد رفع أبناء راس تسما فيما بعد قضية ضد رئيس الحكومة أمام المحكمة العليا طالبين فيها رد الشرف ودفع الخسائر لهم.

__________________________________________

* تدلا بيروا -Tedla Bairu) -1914 – 1981)
– سكرتير حزب الإنضمام إلى أثيوبيا ، وخريج المدارس التبشيرية البروتستانتينية السويدية.
– أنتخب كأول رئيس للحكومة الأرترية ، واستقال من منصبه في يوم الخميس 8 ذي الحجة 1374 الموافق 28 يوليوا 1955م بعد أن مكث في الحكم 35 شهرا وثلاثة أيام.
– بعد إستقالته سافر إلى أديس أبابا وبقي فيها مدة عام ثم عين بعدها في عام 1956م سفيرا لأثيوبيا لدى حكومة السويد.
– استدعي فيما بعد وعين عضوا في مجلس الشيوخ الإثيوبي.
– غادر البلاد فيما بعد في عام 1966م ، واستقر في السويد كلاجئ سياسي.

** علي راداي
– رئيس حزب الرابطة الإسلامية للمديرية الغربية (الداعي للتقسيم).
– أنتخب نائبا برلمانيا عن قبيلة أسفدا في عام 1371هـ الموافق 1952م ، ثم تولى رئاسة البرلمان الأرتري.
– إستقال من منصبه في 6 ذي الحجة 1374هـ الموافق 26 يوليوا 1955م بعد مطالبة عدد من أعضاء البرلمان بسحب الثقة منه. وقد حل محله إدريس محمد أدم.
– تولى منصبا وزاريا في حكومة أسفها ولد ميكائيل ، وأصبح فيما بعد مستشارا للحاكم العام أسراتى كاسا.
– أدرك الإنقلاب العسكري في أثيوبيا وتوفي في السنوات الأولى بعد الإنقلاب.

*** المستر شرر (James shearer) البريطاني:
– تولى رئاسة المحكمة الكبرى في أرتريا.
– عرف بنزاهته وإلتزامه بالقانون والدستور ، وله مواقف كثيرة في تبرأة الأحرار ، ونقض الأحكام الجائرة الصادرة من المحاكم الصغرى.
– حاولت السلطة التخلص منه بوسائل مختلفة. وقد تم رفضه في عام 1962م إثر إلغاء القرار الفيدرالي.

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × 5 =