كلمة المفتي بالنيابة في مؤتمر كرن التاريخي

هذه كلمة سماحة المفتي بالنيابة في مؤتمر كرن الثاني المنعقد في 21 يناير 1947م لتدارس مستقبل أرتريا. وقد ألقى الكلمة نيابة عن المفتي فضيلة الشيخ إدريس حسين سليمان. وتفاصيل هذا المؤتمر ومانتج عنه معروض في صفحة الحوادث من هذا الموقع.

نجتمع اليوم مرة ثانية في هذا البلد الكريم للتشاور في أهم المواضيع في تاريخ بلادنا، ألا وهو مصير أرتريا السياسي. إن جلالة هذا الموقف يفرض علينا ألا ننظر إلى مواضع أقدامنا ويتطلب منا أن نشخص بأبصارنا إلى الآفاق البعيدة، لأن مانؤسسه في هذا اليوم ستكون ثمراته لأجيالنا القادمة، فإن أحسنا فلنا الذكرى الحسنة عند الله وعند الناس والوطن، ويسجل لنا التاريخ بمداد الذهب صفحة مجيدة لاتمحى مدى الليالي والأيام، وإن أسئنا وفرطنا في شئ من حقوق وطننا فتلك وصمة لاتغتفر، تعود معرتها علينا ومضرتها لأجيالنا القادمة، ويكون تاريخنا أسوأ ما تحدث به التواريخ عن شعوب العالم.
ولايخفى عليكم أن بعض الحقوق قد يتساهل فيه الإنسان ولو بإسقاط جميع حقوقه، وتلك حقوق الأفراد التي لاتتعدى نتيجتها إلى الغير، ولكن بعض الحقوق لايمكن أن يتساهل فيها الإنسان مقدار خردلة، ولو وضع على فوهة مدفع، أو ملئت له الدنيا ذهبا.. وتلك هي حقوق الشعب والوطن ومصالح الأمة، وهذا الأخير هو الذي نحن بصدده.
ولعلكم قرأتم ما نشرته الجرائد فيما يتعلق بمصير هذه البلاد، وأهمها مانشرته الجريدة العربية الأسبوعية في أعدادها الصادرة 19 يوليوا 1946م بأن مجلس وزراء الخارجية قد اتفق على القرار النهائي فيما يتعلق بالمستعمرات الإيطالية على الأسس الآتية:
1- الاستقلال
2- الانضمام إلى الدول المجاورة
3- الوصاية تحت هيئة الأمم المتحدة أو إحدى دولها.
وحين نمعن النظر في هذه النقاط الثلاثة نجد أن الأول وهو الإستقلال، فيه حياة للأمة التي تستشعر في نفسها العزة والكرامة، وتحب لشعبها ولوطنها الحرية والمساوات، ولا يمنعنا عن طلبه مانع لأن ميثاق الأطلنطي قد جعل تقرير مصير الشعوب بيدها.
وأما الثاني وهو الأنضمام، فلا يخفى عليكم مضرته لأنه يؤدي إلى تجزئة البلاد، وتشتيت العائلات والقبائل المتحدة بين دول شتى، فيكون بعضها تابع لدولة والبعض الآخر تابعا لدولة أخرى… فتصبح أرتريا بعد ذلك في سجلات التاريخ خبرا بعد عين، ولا أظن أن هذا يرضى به وطني ينبض في ساعده عرق، ويكن لشعبه ووطنه المحبة، لأن ذلك يؤدي إلى إنحطاط أبدي، واستعمار سرمدي، وهو موت معنوي لا حياة بعده.
وأما الثالث وهو الوصاية، فإن تبعه الحكم الذاتي ثم الإستقلال بعده طبقا لميثاق الأمم المتحدة فيكون فيه نوع من الحياة لشعبنا، وإلا فهو عين الثاني، موت أبدي ……’
‘ أيها المسلمون إن الضرر الذي سيلحق الوطن من وباء التجزئة ماثل أمام أعينكم، ولذا يجب على كل فرد منا أن يقدر أجل تقدير موقفه، ويكون مخلصا في قوله، ومحبا لوطنه وشعبه، مع غض النظر عن الإعتبارات الشخصية والحزازات النفسية.
إن إعتبار الوطن هو فوق كل إعتبار، فلتتوحد كلمتنا للوصول إلى حياة سعيدة، ونهاية نبيلة، قبل الوقوع في مسائل التجزئة التي هي عين الممات. وتجنبوا الخلاف والتنازع؛ فإنه إذا فشى التنازع واستحكم الخلاف، تفرقت القلوب، وتمزقت الروابط، وضاعت الفرص السانحة للبلاد، حتى إذا ضعف الجميع جاء الطامع وقبض على ناصية القوة. وعند اتحاد الكلمة تتحد القلوب، وتتصل الروابط ، فيتحقق المطلوب، وتخرج البلاد بعد ذلك عالية، مرفوعة الرأس، موفورة الكرامة، أسوة بالبلاد المجاورة لها إن شاء الله تعالى، ” وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله “.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

12 + thirteen =