قراءات: في طبقات النسب

من العلوم التي اهتم بها سماحته وكتب فيها “علم الأنساب”. وفيما يلي فصل من كتاب لسماحته (لم يطبع بعد) ذكر فيه مقدمة مهمة في طبقات النسب، ننشر جزءا منها للفائدة.

 

وللنسب طبقات يتميز بها بعضها عن بعض:

الطبقة الاولي: الشعب، بفتح الشين وهو النسب الأبعد الذي تنتسب إليه القبائل كعدنان، ويجمع على شعوب، وسمي شعبا لأن القبائل تتشعب منه.

الطبقة الثانية: القبيلة، وهي ما انقسم فيه الشعب كربيعة و مضر، وتجمع علي قبائل وسميت قبيلة لتقابل الأنساب فيها، وربما سميت القبائل جماجم.

الطبقة الثالثة: العمارة، بكسر العين وهي ما انقسم فيه أبناء القبيلة كقريش وكنانة، وتجمع على عمائر وعمارات.

الطبقة الرابعة: البطن، وهي ما انقسم فيه أنساب العمارة كبني عبد مناف وبني مخزوم، وتجمع علي بطون وأبطن.

الطبقة الخامسة: الفخذ، وهي ما انقسم فيه أنساب البطن كبني هاشم وبني امية، ويجمع علي افخاذ.

الطبقة السادسة: الفصيلة، بالصاد المهملة وهي ما انقسم فيه أنساب الفخذ كبني العباس وبني ابي طالب، وتجمع علي فصائل. فالفحذ يجمع الفصائل، والبطن يجمع الافخاذ، والعمارة تجمع البطون، والقبيلة تجمع العمائر، والشعب يجمع القبائل.

قال النووي: وزاد بعضهم العشيرة قبل الفصيلة. وقال الجوهري: وعشيرة الرجل رهطه الأدنون.

وحكى أبو عبيدة عن أبي الكلبي عن أبيه، تقديم الشعب على القبيلة ثم الفصيلة ثم العمارة ثم الفحذ. فاقام الفصيلة مقام العمارة في ذكرها بعد القبيلة، والعمارة مقام الفصيلة في ذكرها قبل الفخذ.

وبالجملة فأكثر ما يدور علي الألسنة من طبقات النسب المذكورة: القبيلة ثم البطن، وقل أن تذكر العمارة والفخذ والفصيلة. وربما عبروا عن كل من الطبقات الستة بالحي، إما على العموم مثل أن يقال حي من العرب، وإما علي الخصوص مثل أن يقال حي من بني فلان.

 

 

عشرة أمور يجب على الناظر في النسب أن يعرفها  

ومما يجب على الناظر في الأنساب أن يعرف، عشرة أمور:

الأول: قال المارودي: إذا تباعدت الأنساب صارت القبائل شعوبا، والعمائر قبائل، .. وتصير البطون عمائر، والأفخاذ بطونا، والفصائل أفخاذا، والحادث من النسب بعد ذلك فصائل.

الثاني: قد ذكر الجوهري أن القبيلة هم بنو أب واحد، وقال ابن حزم جميع قبائل العرب راجعة إلي أب واحد سوي ثلاثة قبائل وهي: تنوخ، والعتق، وغسان، فإن كل قبيلة منهم مجتمعة من عدة بطون، وذلك أن تنوخ إسم لعشرة قبائل اجتمعوا وأقاموا في البحرين فسموا تنوخ أخذا من التتنخ وهو المقام، والعتق جمع اجتمعوا على النبي صلي الله عليه وسلم فظفر بهم فاعتقهم فسموا بذلك، وغسان عدة بطون من الأزد نزلوا علي ماء يسمي غسان فسموا به.

 

الثالث: تخصيص الرجل بأبناء العرب بانتساب القبيلة إليه دون غيره من قومه بأن يشتهر اسمه بهم لرئاسة  أو شجاعة أو كثرة ولد أو غيره، فتنسب بنوه وسائر أعقابه إليه وربما انضم إلى النسبة إليه غير أعقابه من عشيرته كأخوته ونحوهم، فيقال فلان طائي، وإذا أتي من عقبه من اشتهر منهم أيضا  بسبب من الأسباب المتقدمة، نسبت إليه بنوه وجعلت قبيلة ثانية.

وإذا اشتمل النسب على طبقتين فأكثر كهاشم وقريش ومضر وعدنان، جاز لمن في الدرجة الأخيرة من النسب أن ينتسب إلي الجميع، فيجوز لبني هاشم أن ينسبو الي هاشم وإلي قريش وإلي مضر وإلي عدنان، فيقال في أحدهم الهاشمي والقرشي والمضري والعدناني، بل قال الجوهري إن النسبة إلي الأعلي  تغني عن النسبة إلي الأسفل، وذكر غيره أنه يجوز الجمع في النسب بين الطبقة العليا والطبقة السفلى، مثل أن يقال القرشي العدوي، وبعضهم يرى تقديم السفلي علي العلوي فيقال العدوي القرشي.

 

الرابع: قد ينضم الرجل إلي غير قبيلته بالحلف والموالات فينسب إليهم، فلان حليف فلان أو مولاهم.

 

الخامس: إذا كان الرجل من قبيلة ثم دخل في قبيلة أخرى، جاز أن ينتسب إلي قبيلته الأولى، وأن ينتسب إلي قبيلته الثانية التي دخل فيها، وأن ينتسب اليهما جميعا، مثل ان يقال التميمي ثم الوائلي أو الوائلي ثم التميمي وما أشبه ذلك.

 

السادس: القبائل في الغالب تسمى باسم أبي القبيلة كربيعة ومضر والأوس والخزرج وما أشبه ذلك، وقد تسمى القبيلة باسم الأم كخندق وبجيلة ونحوها، وقد تسمى باسم خاص خصت أصل تلك القبيلة ونحو ذلك، وربما وقع النسب على القبيلة لحدوث سبب كغسان حيث نزلوا على ماء باليمن.

 

السابع: أسماء القبائل في اصطلاح العرب عل خمسة أضرب:

(اولها) أن يطلق على القبيلة لفظ الأب كعاد وثمود ومدين ومن شاكلهم، وبذلك ورد القرأن الكريم: وإلى عاد، وإلى ثمود، وإلى مدين مقصودا به بني عاد، وبني ثمود، وبني مدين ونحو ذلك. وأكثر ما يكون ذلك في الشعوب والقبائل العظام، بخلاف البطون والأفخاذ ونحو ذلك.

(ثانيها) أن يطلق على القبيلة لفظ البنوة فيقال: بنو فلان، وأكثر ما يكون ذلك في البطون والأفخاذ.

(ثالثها) أن يرد ذكر القبيلة بلفظ الجمع مع الألف واللام كالطالبيين، والجعافرة، وكثيرا ما يكون ذلك في المتأخرين دون غيرهم.

(رابعها) أن يعبر عنها بآل فلان: كآل ربيعة، وآل فضل، وآل علي وما اشبه ذلك، وأكثر ما يكون ذلك في الأزمنة المتأخرة لا سيما في عرب الشام.

(خامسها) أن يعبر عنها بأولاد فلان، ولا يوجد ذلك إلا في المتأخرين من أفخاذ العرب على قلة، كقولهم: أولاد زعازع، و أولاد قريش ونحو ذلك.

 

الثامن: أسماء غالب العرب منقولة عما يدور في خزانة خيالهم مما يخالطونه ويجاورنه، إما من الحيوانات المفترسة، كأسد ونمر، واما من النباتات كنبت وحنظلة، وإما من الحشرات كحية وحنش، واما من أجزاء الارض كفهر وصخر.

 

التاسع: الغالب علي العرب تسمية أبنائهم بمكروه الأسماء ككلب وحنظلة ومرة وضرار وحرب وما أشبه ذلك، وتسمية عبيدهم بمحبوب الأسماء كغلام ونجاح ونحوهما. والمعنى في ذلك ما حكي أنه قيل لأبي الدقيس الكلابي لم تسمون أبنائكم بشر الاسماء نحو كلب وذئب، وعبيدكم بأحسن الأسماء نحو مرزوق ورباح؟ فقال: إنما نسمي أبنائنا وعبيدنا لأنفسنا، يريد أن الأبناء يعدونهم لقتال الأعداء فاختاروا لهم شر الأسماء، والعبيد يعدونهم لخدمتهم فاختاروا لهم خير الاسماء!

 

العاشر:إذا كان في القبيلة إسمان متوافقان، وأحدهما من ولد الآخر أو بعده في الوجود، عبروا عن الولد أو السابق منهما بالأكبر، وعن الولد المتأخر منهما بالأصغر، وربما وقع ذلك في الأخوين إذا كان أحدهما أكبر من الآخر، كما في صبح الأعشى للقلقشندي.

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

four + four =