دراسة: الشيخ إبراهيم المختار ودوره في الحركة الوطنية الإريترية للمؤرخ د.جوناثان ميران

هذه دراسة للباحث والمؤرخ الدكتور جوناثان ميران عن شخصية سماحة المفتي. وهي دراسة كتبت في الأصل باللغة الفرنسية وترجمها إلى العربية ، بإذن من الكاتب ، الأستاذ أحمد فرج أحمد*. والدكتور جوناثان كاتب وباحث متخصص في شؤون أفريقيا الشرقية ، وهو يعمل في إحدى الجامعات الأمريكية ، وله أكثر من بحث حول تاريخ الإسلام في أرتريا وفي القرن الأفريقي.

اضغط هنا لمطالعة النص الفرنسي لهذه الدراسة.

 

مدخل *

النشأة والتكوين: من أكلي قوزاي إلى القاهرة (1909-1940)

العودة لإريتريا: المفتي العام، المعلم والوطني (1940-1952)

الاضطهاد في ظل الحكم الأثيوبي:التظاهرات والمقاومة (1952-1969م)

الشيخ إبراهيم: الأديب والمؤرخ

هوامــش البحـــث

لائحة المصادر والمراجع
تعليقات محرر الموقع

 

مدخل *

منذ تعيينه كمفتى عام للديار الإريترية من قبل سلطات الإحتلال الإيطالية في عام 1940 ، إحتل الشيخ إبراهيم المختار مكانة مركزية ضمن المجتمع الإريتري المسلم. وكعالم وكاتب مؤمن بخصوصية تاريخ وطنه وشعبه ، عمل الشيخ على تأسيس وتطويرالمؤسسات الإسلامية في إريتريا ، كما كان له دوره البارز في الحركة الوطنية والكفاح الوطني وخاصة ضمن الأنشطة المناهضة للوجود الأثيوبي. فتاريخ هذا الرجل يتيح في الحقيقة إلقاء نظرة أخرى غنية على إحدى المراحل الحرجة في التاريخ الإريتري المعاصر.

لايزال التاريخ الإريتري اليوم بحاجة للدراسة والبحث(1). فاستقلال إريتريا في عام 1993م، سهل كثيرا على الباحثين والمؤرخين الدخول للبلد والتنقيب في المصادر الوثائقية لتاريخها. فالهدف الآن سد بعض الثغرات في المعرفة التاريخية لإريتريا والقيام بالمزيد من القراءات النقدية للخطاب المهيمن(2).

وتهدف هذه الدراسة لإلقاء بعض البنود على المرجعيات والشخصيات صاحبة الدور المركزي في تأسيس وتطوير المؤسسات والمعاهد الإسلامية في إريتريا خلال النصف الثاني من القرن العشرين. فالشيخ إبراهيم المختار أحمد، كان المفتي العام في إريتريا منذ عام 1940م وحتى وفاته في عام 1969م، كما كان قاضيا مسلما مقتدرا فضلا عن كونه مربيا ومؤرخا ورجلا وطنيا ترك بصماته الواضحة من خلال أنشطته ومواقفه الوطنية وأيضا من خلال سلطته الروحية والمعنوية في هذه الفترة الحرجة من التاريخ الإريتري. فقد واجه الشيخ إبراهيم كافة الضغوطات والصراعات الداخلية التي كان عليه التعامل معها بواقعية(3).

ومقارنة مع الفترات السابقة من التاريخ الإريتري، فإن عقد سنوات 1940- 1960م غنية بالمواضيع و الجدالات التي لا يتسع الحيز تناولها بالتفصيل هنا(4). والجدير بالملاحظة هنا أن الكتابات والأبحاث حول السيرة الذاتية حول الشيخ إبراهيم المختار تساهم بشكل كبير في تحقيق معرفتنا بالأحداث التاريخية التي هزت إريتريا خلال هذه المرحلة. كما أن السيرة الذاتية للشيخ المفتي، تتيح لنا حذف بعض الأسئلة والقضايا المهمة المرتبطة بتطور الهوية الإريترية من جهة وبتاريخ المسلمين والمؤسسات الإسلامية في البلد من جهة ثانية. فقد لعب الشيخ إبراهيم دورا فاعلا في تأسيس ودعم الأحزاب و الحركات الاستقلالية التي ظهرت خلال سنوات الأربعينيات. إلا أن هذا الدور بقي مقيدا بعض الشيء بسبب الوظيفة العامة التي كان يشغلها كمفتي ديني وهي وظيفة بعيدة عن مجال السياسة، وبرغم ذلك فقد كان الشيخ إبراهيم يسعى لنوع من الالتفاف على هذا الوضع بقصد ممارسة أكبر قدر من التأثير المتماشي مع قناعته الوطنية. فمنذ العام 1952م وحتى وفاته في العام 1969م، في ظل الوجود الأثيوبي، استغل الشيخ إبراهيم موقعه وسلطته الوظيفية من أجل الاحتجاج بقوة على ضروريات وتجاوزات السلطات الأثيوبية مع مراعاة موقعه الوظيفي. وتبرز كتابات الشيخ إبراهيم انه كان أحد الكتاب القلائل الذين حاولوا دفع الروح الوطنية نحو كتابة التاريخ، فضلا عن وصف المجموعات السكانية والمدن والمؤسسات في إريتريا، وبفضل وعيه العميق بالرابط بين التاريخ والهوية الإريترية، فقد كان على قناعة بضرورة أن يكون لإريتريا تاريخها الخاص. وكباحث مسلم، نظر الشيخ إبراهيم على أنها بلاد ثقافة إسلامية قديمة وذات اتصال بالعالم الإسلامي والإسلام منذ سنواته الأولى، كما اعتبرها وحدة تاريخية سابقة زمنيا لظهور هذا الدين.

من ناحية أخرى، يعد الشيخ إبراهيم- كمفتي عام- من أبرز الشخصيات المساهمة في تكوين بنيات المجتمع الإريتري المتنوع عرقيا والمتعدد اجتماعيا.إذ بذل جهودا كبيرة في سبيل توحيد ومركزة المؤسسات القانونية والتربوية والدينية وترسيخ الممارسات الدينية الإسلامية في البلد. كما جمع –بصبر ومثابرة- الكثير من المعلومات حول المسلمين ومؤسساتهم خلال المراحل ما قبل الكولونيالية ثم خلال فترة الاستعمار وصولا للزمن المعاصر، ووضع دراسات مفصلة حول أبرز محاور ومقاربات التاريخ الإسلامي للبلد. وتطلعنا السيرة الذاتية للشيخ إبراهيم على المزيد حول ما كان عليه حال هذا الباحث المسلم في إريتريا المعاصرة، بدءا ببواكير تكوينه الديني وما اعتراه من تأثيرات وطنية وأيديولوجية مرورا بروابطه مع بلدان شمال شرق أفريقيا، وبخاصة مصر والسودان(5) .

وقد أمكننا تتبع هذا المسار من خلال الاطلاع على السيرة الذاتية للشيخ إبراهيم وبعض كتاباته الشخصية التي جمعها وعلق عليها أحد أبنائه في مؤلف قيم(6)، وأيضا من خلال بعض اللقاءات المباشرة التي أجريناها في أسمرا خلال سنوات 1999-2000 وبعض المصادر الأخرى المكتوبة التي ساهمت في تكوين وتكميل هذه الصورة.

النشأة والتكوين: من أكلي قوزاي إلى القاهرة (1909-1940)

ولد الشيخ إبراهيم المختار أحمد عمر في العام 1909م (1327هـ)، بمنطقة أنكوتو بإقليم أكلي قوزاي. ويبعد المكان الذي نشأ فيه الشيخ حوالي ثلاثين كيلومترا عن ميناء الصيد الصغير المعروف بإرافلي في اتجاه عدي قيح(7)، وهي منطقة تسكنها عشيرة “القعسو” المنتمية لقبيلة المنفري الناطقة بلغة الساهو. وتنتمي عائلة الشيخ إبراهيم لفخيذة الفقيه حرك ، وهي فخيذة وظيفتها التقليدية إنجاب وإعداد القضاة وعلماء الدين لعشائر المنفري(8). أما والد الشيخ إبراهيم فهو الشيخ أحمد عمر كوري، وهو رجل دين أيضا تلقى تكوينه بالحجاز واشتهر في المنطقة بمعرفته الواسعة بالفقه والشريعة الإسلامية.

وقد أظهر الشيخ إبراهيم حسا دينيا عميقا منذ سنوات عمره الأولى. وبدأ تكوينه الروحي في المدرسة المحلية التي كان يديرها والده ، فدرس هناك القرآن الكريم وأساسيات الفقه والشريعة الإسلامية فضلا عن مبادئ اللغة والأدب العربي. وقد حالت التزاماته العائلية عقب وفاة والده في العام 1924م دون سفره لتحصيل العلم، وقد تمكن لاحقا من السفر لمدينة كسلا(*) بالسودان وكان ذلك في العام 1925م حيث كان عمره آنذاك ستة عشر عاما.

وكانت أولى مبادراته في مدينة كسلا زيارة أضرحة شيوخ الطريقة الختمية وعلى رأسها ضريح السيد حسن الميرغني (المتوفى في 1285هـ- 1869م) ابن مؤسس الطريقة الشيخ محمد عثمان الميرغني (المتوفى في 1268هـ- 1869م). ويشير الشيخ إبراهيم في كتاباته إلى أنه شهر بضرورة زيارة الطريقة الختمية بسبب علاقات والده القوية مع شيوخ الطريقة وخاصة بعد تعرفه على حفيد مؤسس الطريقة السيد عثمان تاج السر(المتوفى بمدينة سواكن في 1321هـ-1875م)(9). لكننا لا نعرف للأسف الكثير عن طبيعة العلاقات التي ربطت بين الشيخ إبراهيم والطريقة الختمية خلال سنوات شبابه أو في مراحل لاحقة من حياته [انظر تعليق محرر الموقع (1)]. وفي كسلا لم يجد الشيخ المدرسة التي تلاءم تطلعاته لكنه أقام علاقات في المدينة مكنته في مراحل لاحقة من الانتقال لمراحل أفضل. إذ بناء على نصيحة من قاضي مدينة كسلا آنذاك سيد أحمد ابن السيد إسماعيل، توجه الشيخ إبراهيم إلى مدينة أمدرمان(*) وهناك تم استقباله من طرف والد القاضي والذي كان بدوره مفتيا مقتدرا ورجل دين ذا مكانة وسمعة طيبة في مدينته.

وعقب وصوله إلى أمدرمان في العام 1925م، تم قبول الشيخ إبراهيم للدراسة بمعهد المدينة في قسم الدراسات الإسلامية العليا. وقد كان محظوظا حينما عثر سريعا على من يدعم ماليا مساره الدراسي وهو تاجر اسمه عبده أحمد الجعفري. وخارج ساعات الدراسة الرسمية بالمعهد كان الشيخ إبراهيم يتلقى تعليما إضافيا في الفترة المسائية على يد الشيخ محمد القوصي، وهو تاجر وفقيه مصري يتبع المذهب الحنفي. وبعد عامين من الدراسة في معهد أمدرمان الإسلامي، لم يعد الشيخ إبراهيم يجد فيه ما يرضي طموحه فقرر التوجه إلى القاهرة.

وبعد وصوله للقاهرة في العام 1926م، انهمك الشيخ إبراهيم في الدراسات التحضيرية لدخول الأزهر، فأمضى عامه الاول في الدراسة بجامع إبراهيم آنما مصطفزان، والثاني بجامع المارديني، والثالث في جامع الفكهاني، والرابع والخامس في جامع المؤيد، والسادس في جامع البرقوق. وفي أغسطس من العام 1932م تم قبوله في المستوى الرابع بجامعة الأزهر.

وفي سبيل التخطيط لعودته لإريتريا –حيث كان يرمي لأن يصبح قاضيا متخصصا- انكب الشيخ إبراهيم على دراسة اللغة الإيطالية بمدرسة إيطالية ببولاق. وفي العام 1937، أكمل الشيخ إبراهيم عامه الخامس بالأزهر لينال بذلك شهادة إكمال الدروس الدولية.

وفي الفترة ما بين عامي 1937-1940م، عمل الشيخ إبراهيم على تعميق دراساته وتخصص في الفقه والأصول، كما نال دورات تدريب مهنية في بعض الأعمال بالقاهرة. فعمل أستاذا ومحاميا بإحدى المحاكم كما كان عضوا في لجان القراءة للعديد من دور النشر المتخصصة في الكتب الإسلامية وخاصة دار نشر مصطفى البابي الحلبي حيث انكب على أعمال التصحيح والتعليق والمراجعة وكتابة التقديم للعديد من الكتب الدينية(10) كما كتب بعض المقالات حول بعض القضايا الإسلامية في ميدان العبادات والقانون الإسلامي تم نشرها بمجلة ” الإسلام” ابتداء من العام 1938م(11). كما كتب أيضا العديد من المقالات ضد الفاشية منتقدا بشدة النظام الاستعماري في إريتريا تم نشرها متوالية في المجلة الأسبوعية “القلم الصريح” التي كان يديرها صديقه الشخصي الأستاذ: عبد الفتاح الرفاعي. ومن المحتمل أن الأجواء الوطنية التي سادت مصر خلال الثلاثينيات قد أثرت إيجابيا على تطور وعيه السياسي كما ظهر من خلال كتاباته في هذه الفترة.

وفي أكتوبر من العام 1939م، تم إدخال الشيخ إبراهيم إلى المستشفى وفي هذه الفترة تم إبلاغه من قبل السفارة الإيطالية بالقاهرة بموضوع ترشيحه لرئاسة محكمة الاستئناف الشرعية بأسمرا. وهنا تظهر بعض الكتابات الشخصية للشيخ إبراهيم نوع من التناقض، فمن جهة كانت إريتريا بالنسبة إليه “مستعمرة خاضعة لنظام فاشى لن يعمل على خدمته”، ومن جهة أخرى يسأل الله أن “يعينه على تغيير الوضع” ومن سرير مرضه بالمستشفى قبل الشيخ إبراهيم هذا الترشيح ليصبح بذلك أول رئيس لمحكمة الاستئناف الشرعية بإريتريا(13). وفي الرابع من ديسمبر 1939 تم تعيينه في منصب “قاضي القضاة”. وفي الرابع من أبريل 1940 وطأت قدما الشيخ إبراهيم مرة أخرى أرض إريتريا بعد غياب نحو خمسة عشر عاما قضى معظمها بمصر [أنظر تعليق الموقع (2)].

 

العودة لإريتريا: المفتي العام، المعلم والوطني (1940-1952).

على الرغم من تعيينه من طرف سلطات الاحتلال الإيطالي في عام 1940، إلا أن الشيخ إبراهيم لم يعمل تحت إشراف إدارتهم المباشرة إلا في ذلك العام وحده. حيث أنه عقب هزيمة إيطاليا على يد القوات البريطانية أثناء الحروب في شمال شرق إفريقيا وسقوط أسمرا في الفاتح من أبريل 1941م، انتقلت إريتريا مؤقتا تحت سلطة الإدارة العسكرية البريطانية التي كانت ترمي لتولي شؤون هذه المستعمرة الإيطالية السابقة إلى حين صدور قرار من الأمم المتحدة يحدد ما سيؤول إليه وضعها. وابتداء من العام 1940، تم تعيين الشيخ إبراهيم في موقع “مفتي الديار الإريترية” وهو منصب جعله المسؤول المباشر عن المعاهد والمؤسسات الإسلامية في البلد(14).وفي يونيو من عام 1940م، أصبح مراقبا لكافة المحاكم الشرعية في الإقليم. إلا أن مهمته الأولى في المراقبة العامة على حوالي 39 محكمة في إريتريا وأثيوبيا لم تكتمل، وذلك بسبب تطورات الحرب وهزيمة إيطاليا.

وبرغم قصر المدة التي قضاها الشيخ إبراهيم في منصبه تحت الإدارة الإيطالية، إلا أنها جعلته واعيا بما ينطوي عليه منصبه وموقعه هذا من تناقض. وتشير مصادر سيرته الذاتية فيما يتعلق بموضوع رفضه الاستفادة من الامتيازات التي تخولها له وظيفته، إلى انه كان دائم الحرص على أبقاء المسافة بينه وبين نظام الاحتلال الفاشي لموسوليني الذي كانت تخضع له إريتريا، ومن ناحية أخرى أقام فصلا وحدودا واضحة بين التزاماته مع الإدارة الاستعمارية وبين واجباته تجاه المعاهد والمؤسسات الإسلامية للدولة وسعى لممارسة سلطته كمفتي للديار الإريترية. وقد ساهم هذا الأسلوب في تنظيم مسؤولياته العامة في رسم مسار حياته المهني الذي عرف أنماطا مختلفة للأنظمة الاستعمارية. لذا فقد رفض في نوفمبر من عام 1940م، إصدار فتوى تبيح للجنود الإريتريين العاملين في جيش الاحتلال الإيطالي بالإفطار في شهر رمضان وكان ذلك في مناسبة لوحدة عسكرية بالقرب من الحدود السودانية.

شكل حضور الإدارة العسكرية البريطانية في إريتريا ابتداء من العام 1940م، بداية عقد حاسم في تاريخ تكوين الهوية الوطنية الإريترية، حيث عرفت إريتريا خلاله العديد من الأحداث المعقدة و المتناقضة أحيانا. فمشاريع السياسة البريطانية حول مستقبل الإقليم منذ أواسط الأربعينات فضلا عن المطالب الأثيوبية حول إريتريا، ساهمت في شق قطب الحركات المعادية للوجود الاستعماري الأوروبي إلى معسكرين متعاكسين: أحدهما مؤيد لمبدأ الوحدة مع أثيوبيا والآخر معارض له. وقد قاد هذا الانقسام الأيديولوجي إلى إبراز وتبيين بعض التمايزات –الحقيقية- والحساسيات التاريخية التي كانت تعتمد في الحقل السوسيو-اقتصادي، وساهم ذلك في تقوية الآراء المسبقة المتبادلة بين المجموعات السكانية في إريتريا، وبخاصة بين المسلمين والمسيحيين. حيث تشكل معسكر أنصار الوحدة مع أثيوبيا من أغلبية مسيحية من سكان المرتفعات الذين كانوا يعتبرون أنفسهم جزء من الكيان التاريخي لأثيوبيا، وقد أسسوا حزبهم –حزب الوحدة مع أثيوبيا- في العام 1944م. بينما تشكل المعسكر المعادي من أغلبية مسلمة من سكان الأراضي المنخفضة.

وقد عارض هذا المعسكر كل شكل من أشكال الوحدة مع أثيوبيا، ورأى أن من شأن مثل هذه الخطوة أن تحيل المجموعات المسلمة إلى مجرد أقلية سياسية ودينية. وكان حزب الرابطة الإسلامية الذي تأسس في ديسمبر 1946م، الممثل الأبرز لهذا الاتجاه(15). فالمناخ والأنشطة السياسية المكثفة خلال الأربعينيات أبانت مرة أخرى عن الانقسامات داخل المجتمع الإريتري. وقد تجلت هذه الانقسامات من خلال فترات الهوية –المجتمعية والدينية- التي انعكست على صفحات الصحف وفي أنشطة الجمعيات والأحزاب السياسية وغيرها من هيئات ومؤسسات المجتمع المدني. وقد أظهرت سنوات 1949 – 1950م ، أن هذه الانقسامات قد تقود بشكل ما نحو الفوضى والعنف في المجتمع.

وفي مثل هذا السياق الاجتماعي والسياسي الصعب تأسست المعاهد والمؤسسات الإسلامية في البلد وأصبح لها وجودها في مجال النشاط العام في إريتريا. كما أصبح حزب الرابطة الإسلامية أرضية العمل السياسي الأولى للعديد من المسلمين. وقد انبثق هذا الحزب عن طريق تأسيس ومركزة وتوحيد المعاهد والمؤسسات الإسلامية في البلد – وخاصة في مجالات القضاء والتعليم- التي ساهمت بشكل كبير في تشكيل وعي المجتمع المسلم الإريتري، وقد شهدت إريتريا منذ هذا الوقت تأسيس العديد من المدارس الإسلامية وإصدار الصحف الناطقة بالعربية(16)، وتنظيم القضاء الإسلامي الشرعي وتأسيس الجمعيات الإسلامية. وكان الشيخ إبراهيم المختار في قلب هذه العمليات بل كان الملهم الأول لها. وكانت سنوات الأربعينات هي الأكثر نشاطا في مسار حياته.

وبصفته مفتيا للديار الإريترية، أخذ الشيخ إبراهيم على عاتقه أمر إعادة تنظيم نظام القضاء الإسلامي في البلد. ومنذ قدوم السلطات البريطانية في العام 1941، أصدر الشيخ نظام لائحة قانونية تضم 63 مادة هدف من خلالها تنظيم المحاكم الإسلامية واتبعها بلائحة أخرى أكثر شمولا وتفصيلا في العام 1946م تضم 207 مادة. وفي يونيو من عام 1943م قام بجولة مراقبة على حوالي سبعة عشر محكمة عبر الإقليم ووضع تقريرا ضمنه توصياته ومقترحاته. وفي نوفمبر من ذات العام أصبح رئيسا لمجموع لجان الوقف في إريتريا التي كانت إلى ذلك التاريخ تدار محليا. كما نظم الشيخ إبراهيم مؤتمرين للقضاء في الثالث من يناير 1953م والتاسع من نوفمبر 1952م، تم خلالها تم طرح ومناقشة كافة القضايا التي تخص المحاكم الإسلامية وتم صياغة قرارات بهذا الشأن.

ومن أجل التنظيم ورفع مستوى القضاء عمل الشيخ إبراهيم على تنظيم دورات لفائدة القضاة، دارت حول الإجراءات وشكليات المحكمة وممتلكات القضاة والإدارة القضائية دون نسيان التكوين الضروري في أحكام الشريعة الإسلامية. وفي سبتمبر من عام 1952م -عقب الإصلاح القضائي البريطاني- تم تعيين الشيخ إبراهيم كأول قاضي إريتري على رأس المحكمة العليا الإريترية تحت سلطة القاضي البريطاني، جيمس شيرر (James (Shearer. وفي 1953م تخلى الشيخ إبراهيم عن منصبه كقاضي للقضاة ورشح القاضي إدريس حسين سليمان لتولي هذا الموقع. ومن أجل الحيلولة دون التضارب المحتمل بين القانون المدني الذي وضعته السلطات البريطانية وبين أحكام الشريعة الإسلامية، أصدر الشيخ إبراهيم مؤلفا حول القوانين العرفية لمسلمي أكلي قوزاي(18).

وفي ميدان التعليم، بذل الشيخ إبراهيم جهودا مقدرة من أجل تشجيع التعليم الديني في إريتريا. فالتمس مساهمة الأغنياء من التجار المسلمين في تأسيس المدارس وغيرها من المؤسسات التعليمية الإسلامية في البلد. وفي الفترة ما بين 1942 و1953م، شهدت إريتريا افتتاح المدارس والمعاهد الإسلامية من بينها:

1942: المدرسة الخيرية الإسلامية بأسمرا، بتمويل من محمد عبيد باحبشي.
1944: مدرسة حرقيقو بمساهمة مالية أساسية من الشيخ صالح باشا احمد كيكيا.
1945: المعهد الإسلامي بأسمرا مع مكتبته، بمساعدة مالية من محمد عبيد باحبيشي وأحمد عبيد باحبيشي، وتمت تسمية المعهد باسم “معهد الملك فاروق”.
1945: تأسيس المعهد الإسلامي بمصوع من طرف الحاج أحمد عبد الرحمان هلال.
1945: المدرسة الإسلامية بعدي وقري (إقليم مندفرا) أسسها الحاج عبد الرحمان محمد غنافر.
1951: مدرسة مصوع الابتدائية أسستها الجمعية الإسلامية الثقافية بالمدينة.
1952: المعهد الإسلامي بكرن بجانب المسجد الكبير.

ومن الضروري أيضا الإشارة لتأسيس المدرسة الإسلامية بمقاطعة أخريا بأسمرا من طرف الحاج محمد عبدو وإخوانه، ومدرسة مدبر الإسلامية (أسمرا) وبعض المدارس والمعاهد الإسلامية بأغردات وأمبيرمي(19).

ومن ناحية أخرى أسس الشيخ إبراهيم علاقات التعاون مع جامعة الازهر بمصر والتمس منها الدعم المالي واللوجيستي من أجل استمرار وتطوير المدارس المؤسسة حديثا وخاصة من خلال دعمها بالأساتذة. وقد أرسل الأزهر بالفعل بعض البعثات والأساتذة للعمل في إريتريا. وقد نشطت البعثة الازهرية الأولى ما بين عامي 1943 و1951م وكانت البعثة الثانية ابتداء من العام 1952م. وفي العام 1946م تم تأسيس المجلس الإسلامي الأعلى برئاسة الشيخ علي مصطفى الغرابي، رئيس البعثة الازهرية الأولى. وخلال العام نفسه أسس الشيخ إبراهيم “رابطة الشباب المسلم”. وفي مايو 1952م أصبح الشيخ إبراهيم رئيسا لجبهة العلماء التي ساهم أيضا في تأسيسها.
ومكانته كمفتي عام جعلته أحيانا في حرب مفتوحة مع بعض الاعراف والعادات غير الإسلامية المنتشرة في أوساط المسلمين في إريتريا، وعلى رأسها الممارسات التقليدية كالختان وتشويه أنوف النساء والمعتقدات المرتبطة بشهر صفر(20). ولذلك فقد أصدر من التوجيهات التي تبين الاعراف الإسلامية وغير الإسلامية ونشر العديد من المقالات التوضيحية بالصحف في هذا الشأن. إلى جانب ذلك سعى بكل طاقته لإرشاد السكان المحليين إلى التاريخ والتقاليد الإسلامية في الوقت الذي كان يحث فيه على أهمية تعلم اللغة العربية من خلال العديد من المقالات التي مست موضوعات مختلفة كالتقويم الإسلامي الهجري ودروس معركة بدر ورحلة الرسول (ص) الروحية في الإسراء والمعراج وغيرها. وقد ظهرت معظم هذه الكتابات في “الجريدة العربية الأسبوعية”، التي تأسست في العام 1942م من قبل جهاز الإعلام في الإدارة العسكرية البريطانية. وحاول الشيخ إبراهيم مرة أخرى تنظيم الخطب الوعظية في المساجد من خلال الاعتماد أكثر وفتح الباب أمام خريجي الجامعات الإسلامية من الأئمة. كما عمل على توحيد بداية الصيام والإفطار في رمضان في مختلف أنحاء البلد، واضعا بذلك حدا لحالة الفوضى وعدم التنسيق التي كانت سائدة إلى ذلك الوقت. ومن أجل تجذير شعور الولاء الجماعي الذي يمنحه مكانة تاريخية، عمل الشيخ إبراهيم على بناء ما عرف ب”مقام النجاشي” وهو ملك الحبشة الذي تحول –حسبما يعتقد- إلى الدين الإسلامي في القرن السابع(21). وتم افتتاح المقام رسميا في 11 أبريل 1954، في احتفال ضخم بحضور بعض الشيوخ والعديد من أعيان المسلمين في إريتريا. [انظر تعليق محرر الموقع (3)].

وعلى المستوى السياسي التحق الشيخ إبراهيم بالرابطة الإسلامية منذ السنة الأولى لتأسيسها. فكتاباته وغيرها من المصادر تظهر بشكل جلى مدى إستقلاله ونوعية قناعاته الوطنية. كما تؤكد المصادر الوثائقية دوره البارز في تأسيس حزب الرابطة الإسلامية في العام 1946م (22)، وبرغم أن وظيفته كمفتي عام فرضت عليه الابتعاد شيئا ما عن الرابطة، فإن النشاطات المرتبطة بحسه الوطني كانت حاضرة على الدوام، وإن اكتسبت طابع السرية في بعض الأحيان. فأشعاره ومقالاته العديدة، المنشورة بشكل أساسي في جريدة “صوت الرابطة الإسلامية الإريترية”، تظهر بشكل واضح إرتباطه القوي بهدف الاستقلال وحق الإريتريين في الحكم الذاتي كمجموعات سكانية ذات أرض ومصير مشترك. ونتيجة وعيه العميق والكامل بمتطلبات موقعه الرسمي على المستوى العام، تبنى الشيخ إبراهيم نضجا وسطيا وعمليا من شانه حفظ التوازن الضروري بين معتقداته السياسية الشخصية ومتطلبات منصبه العام. ومابين عامي 1949 و1950م، وعقب دورات العنف وحملات الإرهاب التي قام بها أنصار الوحدة مع أثيوبيا – بالتعاون مع السلطات – ضد المطالبين بالاستقلال، تدخل الشيخ إبراهيم إلى جانب بعض كبار رجالات الدين المسيحي من اجل العمل على إعادة إحلال السلام بين الطرفين، وتم تأسيس جمعية في هذه الظروف بهدف خلق وتفعيل الحوار الإسلامي-المسيحي(23).
الاضطهاد في ظل الحكم الأثيوبي:التظاهرات والمقاومة (1952-1969م).

من بين أهم الأحداث التي أعقبت مداولات لجان الأمم المتحدة حول مستقبل إريتريا، تبني الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثاني من ديسمبر 1950م قرارا أعتبر بمثابة حل وسط نص على أن “تصبح إريتريا وحدة متمتعة بحكم ذاتي ومتحدة فيدراليا مع أثيوبيا تحت سيادة التاج الأثيوبي”. فالترتيبات الفيدرالية المتوقعة من قبل منظمة الأمم المتحدة – والتي وضعت في 15 ديسمبر 1952م – منحت إريتريا دستورا مستقلا يؤسس لنظام حكم ديمقراطي مع جمعية تشريعية منتخبة وسلطات تنفيذية وقضائية ذاتية. وكزعيم ديني، تمت استشارة الشيخ إبراهيم رسميا من طرف لجنة الأمم المتحدة حول البناء السياسي الذي يفترض أن يكون لإريتريا كطرف في اتحاد فيدرالي مع أثيوبيا. فعبر عن ميله لأكبر قدر ممكن من الاستقلال الذاتي لمؤسسات الحكم الإريترية، وهو نفس الموقف الذي عبرت عنه “الجبهة الديمقراطية الإريترية” التي تضم أحزاب الكتلة الوطنية المطالبة بالاستقلال التام” (24). وقد اتضح فيما بعد سريعا أن تأسيس هذا الاتحاد لم يكن سوى واجهة زائفة، حيث أن الحكومة الإمبريالية الأثيوبية وبدعم من العناصر المؤيدة للوحدة في الجمعية التشريعية الإريترية الأولى ارتكبت العديد من الخروقات القانونية التي يعتبرها الدستور الإريتري ممارسات لاغية. ومنذ العام 1955م، أصبحت عملية تآكل الحقوق الدستورية اكثر انتظاما كما أصبحت وسيلة يلجأ إليها لإضعاف كل أشكال التعبير المعادي لأثيوبيا.

وفي مثل هذا المناخ السياسي، أصبح مسلموا إريتريا – المعارضون في غالبيتهم للوحدة مع أثيوبيا- خاضعين لنمط من القمع العنيف(26). وقد ساهمت عملية التفريق بين الأديان- في ظل العهد البريطاني- في اعتبار جميع المسلمين عناصر تخريبية. كما أن جميع مكتسبات الإصلاح المؤسسي التي قادها الشيخ إبراهيم في العقد السابق أصبحت الآن مهددة، وتدهور بشكل كبير، استقلال الحقل الإسلامي في البلد. فالمخالفات التي ارتكبت ضد النظامين القضائي والتعليمي ومهاجمة حرية التعبير وتقييد حركة الناشطين في المطالبة بالاستقلال، كلها عوامل كانت لها آثارها السلبية على المجموعات المسلمة في البلد. هكذا مثلا تم حظر صدور جريدة “صوت الرابطة الإسلامية” واعتقال هيئة تحريرها في ديسمبر 1954م. كما تم اعتقال الشيخ محمد عمر قاضي رئيس حزب “حزب الرابطة المستقلة” ومحاكمته بعشر سنوات سجنا في العام 1958م، وفي العام نفسه تم اعتقال ومحاكمة الحاج سليمان احمد عمر(27) بأربعة أعوام سجنا وهو الأخ الأكبر للمفتي العام وأحد أبرز نشطاء الرابطة الإسلامية. كما تم اعتقال الشيخ إبراهيم سلطان من قبل السلطات الأثيوبية، والشيخ إبراهيم سلطان هو مؤسس الرابطة الإسلامية وعضو في البرلمان فضلا عن كونه زعيم “الجبهة الديمقراطية الإريترية”، وقد اضطرت هذه الظروف الشيخ إبراهيم سلطان في مرحلة لاحقة إلى مغادرة البلاد واللجوء للسودان برفقة الشيخ إدريس محمد آدم الذي كان فيما مضى رئيسا للجمعية الوطنية الإريترية.

وبرغم تقلص صلاحياته في هذه المرحلة، إلا أن المفتي العام حافظ على مكانته ذلك أن النهج البراغماتي الذي انتهجه الشيخ إبراهيم في ظل الحكم البريطاني، جعل السلطة الأثيوبية تفكر في إمكانية أن يكون وجود المفتي العام مفيدا في استمالة الجانب المسلم. فمثل هذه التكتيكات كاستمالة أو تقوية الرقابة على فئات الشعب كانت سياسة معتادة للإمبراطور هيلي سلاسي خلال هذه الفترة. إلا أن التمييز المستمر ضد المسلمين ومؤسساتهم وبخاصة ضد “دار الإفتاء” كانت النقطة التي أفاضت الكأس ودفعت المفتي العام للإسراع على المقاومة والاستمرار في الاحتجاج ضد الخروقات المتتالية لحقوق المسلمين وكانت أولى القرارات المؤثرة ضد الشيخ المفتي هي إلغاء الميزانية السنوية المقررة لدار الإفتاء خلال السنة المالية 1954-1955. ففي العام 1958م تم إلغاء العلاوة المخصصة لقاضي القضاة ليتم بعد ذلك حذف ميزانيات إدارة المساجد ابتداء من العام 1959م.

كما واجه المسلمون كذاك العديد من المعوقات فيما يخص التعليم. إذ في سنوات 1953-1955م لم يحصل الشيوخ المعينيين من قبل الأزهر للعمل في إريتريا على تأشيرات الدخول من قبل السلطات في اسمرا، ونتيجة لذلك أغلقت بعض المدارس و المعاهد الإسلامية التي تعتمد على خدماتهم. وظلت جميع إحتجاجات الشيخ إبراهيم وأعيان المجتمع المسلم في إريتريا دون أي تأثير. وفي العام 1957م تم إحلال اللغة الأمهرية محل اللغتين الرسميتين لإريتريا آنذاك، أي العربية والتجرينية(28) . وفي يناير 1958م تم حظر “رابطة الشباب المسلم” وسجن جميع أعضائها. ومع ذلك يبدو أن السلطات لأثيوبية لم تنجح في التدخل في إدارة الأوقاف.

في ظل هذه الظروف كان للشيخ إبراهيم هامش ضيق للمناورة، وكان عليه أن يظل قانعا بالاحتجاجات اللفظية. وفي أواخر الخمسينيات تدهورت العلاقة بين المفتي والسلطات المحلية وظهر نوع من الشك والاتهام المتبادل بين الطرفين. وتشير السيرة الذاتية للشيخ إلى رفضه الميداليات والألقاب الفخرية التي منحت له، كما تؤكد مقاطعته لبعض الاحتفالات الرسمية وتظاهره مع العامة ضد السلطات في العديد من المناسبات الدينية. وفي العام 1960م كتب مقالا ظهر في بعض صحف الأردن والمملكة العربية السعودية، هاجم فيه النظام والوجود الأثيوبي في إريتريا وساوى بينه وبين “الاحتلال”(29). وقد أجبرته السلطات الأثيوبية فيما بعد على التوقيع على مقال مضاد لما كتب وتم نشره في الصحافة المحلية. ورغم استمرار سريتها النسبية أصبحت الأنشطة السياسية للشيخ إبراهيم ضمن الحركات المطالبة بالاستقلال أكثر وضوحا من ذي قبل خلال هذه الفترة. فشهادة الأستاذ محمد سعيد ناود –أحد قادة حركة التحرير الإريترية التي تأسست في مدينة بورتسودان السودانية في نوفمبر1958م كأول حركة تحرير مسلمة- لا تدع مجالا للشك في الأنشطة الوطنية للمفتي العام ودورها في خدمة هذه الحركة. وقد كتب محمد سعيد ناود موضحا هذه النقطة، قائلا:
“كان المفتي العام لإريتريا، الشيخ والمعلم إبراهيم المختار احمد عمر وأخيه الحاج سليمان عضوان في حركة التحرير الإريترية. وكان لكل منهما دوره الوطني البارز في هذا الشأن . ونظرا لحساسية وظيفته الدينية كان المفتي إبراهيم المختار عضوا في الحركة في سنواتها الأولى، إلا انه مع ذلك عمل في الخفاء على تنظيم وتوجيه الشعب من خلال الاتصالات الشخصية المباشرة. وخلال مرحلة تقرير المصير، جعل المفتي العام من نفسه مدافعا نشطا عن الحرية والاستقلال وعرفه الجميع بهذه الصفة. فالشيخ إبراهيم كان رجلا واعيا وذا نظرة ثاقبة، لم يسمح إطلاقا بأن تعمل القضايا الصغرى على تقسيم المجتمع والحيلولة دونه ودون تحقيق الأهداف الوطنية الكبرى(30).

وفي العام 1962م، تبخر نهائيا وهم الاتحاد الفيدرالي، إذ عمل الإمبراطور هيلي سلاسي على إلغاء الاتحاد وضم إريتريا لتصبح عمليا الولاية رقم 14 في أثيوبيا. وقد أدى ظهور الحركات المسلحة ذات التوجهات العربية – الإسلامية على زيادة الضغط وقمع الشعب الإريتري. وبالإضافة الى الصعوبات ومعوقات العمل خلال الفترة الفدرالية التي مست القضاء والنظام التعليمي وإجراءات الحج والعمرة فقد عرفت هده الفترة كذلك العديد من التجاوزات الخطيرة، كمصادرة الأراضي وتأميم الممتلكات والاعتقالات غير الشرعية والمحاكمات الصورية. فقد عمل الأثيوبيون خلال هذه الفترة على تشديد الإجراءات الأمنية في كامل الإقليم من أجل قمع كل مظاهر العصيان الظاهرة والمحتملة.

وحسبما أشار الشيخ إبراهيم، فإن الممثل الشخصي للإمبراطور هيلي سلاسي في العام 1960 “أسراتا كاسا”، قد هدده شخصيا بالموت في مرات عديدة. وقد شهدت هذه الفترة إزدياد تدخل السلطات الأثيوبية في الشؤون الإسلامية. فتم مثلا تغيير اسم المحكمة الإسلامية الشرعية في العام 1964م إلى “مستشارية القضاة” وتم إزاحة اللغة العربية من الأختام الرسمية لصالح اللغة الأمهرية بل تم إضافة صليب لهذه الأختام. وقد احتج الشيخ إبراهيم بقوة على هذه الإجراءات وطالب الحكومة بضرورة احترام الشؤون الإسلامية. كما تم خلال هذه الفترة اغتصاب حق تعيين القضاة من قبل ممثلي الإمبراطور في إريتريا وهو حق كان إلى ذلك الحين بيد المفتي العام. وسعت الحكومة مرة أخرى لتعديل مناهج وبرامج المدارس الإسلامية –فضلا عن ذلك ظهرت صورة متخيلة للنبي (ص) في أحد الكتب المدرسية – باللغة الأمهرية- التي تناولت موضوع كبار رجال الدين في العالم، ومن بين ما جاء في هذا الكتاب “أن القرآن كتبه محمد بيده” وأن النبي محمد (ص)” أخذ الدين الإسلامي عن اليهودية والمسيحية”، وهو ما أغضب كثيرا الشيخ إبراهيم ودفعه لإصدار فتاوي وآراء عديدة في هذا الشأن رد من خلالها على كل هذا التشويه والافتراء ضد النبي محمد (ص) والدين الإسلامي. وفي العام 1966م تم إحلال اللغة الأمهرية مكان لغتي العمل الرسميتين في البلاد- التجرينية والعربية- كما تم طرد ممثل الأزهر الشريف خارج البلد. وعلى كل حال فإن الضغوطات التي مارسها الشيخ إبراهيم أتت ثمارها في بعض الحالات ، إذ تظاهر الشيخ إبراهيم مع العديد من المسلمين في الثالث عشر من يناير 1966م –وكان يوم عيد الفطر- عند تضييق الخناق على المؤسسات الإسلامية، وأدى تكرار هذا الموقف إلى إعلان الإمبراطور هيلي سلاسي عن ميزانية سنوية للمساجد والمعاهد الإسلامية في إريتريا ثلاثون ألف بر (30000). كما نجح الشيخ إبراهيم أيضا من خلال تظاهراته ومواقفه هذه في الإبقاء على برامج التدريس في المعاهد الإسلامية.

في الخامس والعشرين من يونيو 1969م، توفي الشيخ إبراهيم المختار بمدينة أسمرا عن عمر يناهز الستين عاما، ولا تزال أسباب وفاته غامضة إلى اليوم. فقد عانى قبيل وفاته من ضعف وهزال شديد وحالة صحية تدهورت بسرعة وهو ما أدى ببعض الكتابات والشهادات الشفوية إلى التلميح لفكرة إمكانية تسميمه من طرف الأثيوبيين. ونظرا للافتقاد التام للدلائل حول هذا الموضوع، للمرء أن يتصور مثل هذا التفسير بمثابة محاولة رمزية لتقوية السمعة التي بنت نفسها أو الهالة التي أحاطت بشخصية المفتي العام. وقد تم دفن الشيخ إبراهيم بمدينة أسمرا في اليوم التالي لوفاته بحضور الآلاف من مناصريه الذين أتوا من كافة أنحاء البلد لمرافقته لمثواه الأخير.
الشيخ إبراهيم: الأديب والمؤرخ.

تؤكد الشهادات الشفوية حول الشيخ إبراهيم على انه كان رجلا زاهدا وعاملا لا يعرف الكلل، عرف كيف ينظم حياة مليئة بالأفكار والعمل. وتشير إحدى هذه الشهادات إلى أن الرجل وبعد الانتهاء من الالتزامات اليومية لوظيفته الرسمية، كان يقضي ساعات طوال في القراءة والكتابة. وأخذ بإعادة تنظيم وقته من خلال ورقة يومية يدون عليها مواعيد لقاءاته الوظيفية وباقي أنشطته اليومية. وكان للشيخ إبراهيم طاقة صبر كبيرة في كتابة كل أنواع وأشكال الكتب، وهي طاقة ربما تعود جذورها لسنوات شبابه الأولى حينما كان يعمل لحساب دار النشر. وكانت له قراءات متنوعة في العديد من المجالات منها: الدينية، التاريخية، النصوص الأدبية والمقالات الصحفية وغيرها. بل انه أمضى عامين في القراءة والتنقيب حول أوائل قضاة مدينة مصوع. فمكتبته اليوم تشير بوضوح لمدى معرفته واطلاعه(32)، فضلا عن ولعه باللغات وعلى رأسها لغته الأم –الساهو- وكذلك اللغة العربية التي جاهد لإتقانها خلال سنوات حياته.

ومن أجل ضمان استمرار الصحف المحلية التي عادت للصدور في ظل الإدارة العسكرية البريطانية عمل الشيخ إبراهيم على مدها بالمقالات بشكل مستمر. حيث كتب العديد من المقالات يرشد من خلالها المسلمين لمبادئ الدين الإسلامي، تاريخه، تقاليده وأعرافه. فظهرت له الكثير من المقلات في “الجريدة العربية الأسبوعية”، تناولت العديد من الموضوعات من بينها: نظام المحاكم الإسلامية(33)، المولد النبوي الشريف(34)، صيام شهر رمضان(35)، المدارس والمعاهد الإسلامية في إريتريا(36)، رحلة الرسول (ص) في الإسراء والمعراج(37)،نظام التقويم الإسلامي الهجري(39)، وتم جمع كل هذه المقالات في مصنف يدوي غير منشور تحت عنوان “مفيد المفتي والسائل إلى المسائل المختلفة”. وبالتزامن مع ذلك كتب الشيخ إبراهيم أيضا مقالات عديدة ذات طابع وطني تتناول الكثير من القضايا والشؤون السياسية في تلك الفترة، وظهر معظمها في جريدة حزب الرابطة “صوت الرابطة الإسلامية الإريترية”.

من ناحية أخرى، فقد نظم الشيخ إبراهيم ما يفوق الألف قصيدة من الشعر الموزون، وهي أيضا مجموعة غير منشورة بعنوان “خطرات الأفكار من مبتكرات الشعر”. وكانت معظم هذه الأشعار ذات طبيعة سياسية أو اجتماعية يمدح من خلالها الشيخ كبار الشخصيات المسلمة في المجتمع والرابطة، كما عمل فيها على هجاء الموالين لأثيوبيا من أعضاء البرلمان الإريتري، فضلا عن تمجيد الأزهر الشريف والدفاع عن اللغة العربية. وقد صنفت مصادرنا أيضا ما يفوق الأربعين نصا تناولت المواضيع والشؤون ذات الطبيعة الدينية(40).

كما أن الشيخ إبراهيم هو أيضا مؤلف ما يقارب العشرين مخطوطة تناولت القضايا التاريخية، اللغوية، الاجتماعية والاثنية للمجتمع الإريتري. ولكن للأسف، فالوصول اليوم الى هذه النصوص أمر في غاية الصعوبة، لكن يمكن للباحث تكوين فكرة عن مضمونها من خلال الاطلاع على الكتابات حول مدينة مصوع –وهي كتابات اطلعت شخصيا على البعض منها- وأيضا من خلال فهرس المحتويات لكتابين آخرين تناولا تاريخ إريتريا ومدنها. ومن الضرورة الإشارة هنا أيضا لنص من جزأين كتبه الشيخ إبراهيم بلغة الساهو(41)، وأخيرا بعض المقالات الصحفية التي كتبت ما بين عامي 1940 و1950م، وهي مقالات مبنية على كتاباته السابقة وتكون في بعض الحالات إعادة حرفية لها.

وعلى الرغم من أنه لم يكن مؤرخا أو باحثا تاريخيا متخصصا، فقد أبان الشيخ إبراهيم عن مواهب وقدرات كبيرة عن كتابته في التاريخ حيث كان قد فهم مبكرا على ما يبدو أهمية التاريخ والدراسات التاريخية في تكوين الهوية القومية وفي تطوير الوعي الوطني.

وحسب علمنا، فهو أحد أوائل المثقفين الإريتريين في عصره الذين أخذوا على عاتقهم أمر الكتابة في التاريخ الإريتري الخالص بشكل يوضح بجلاء الحد الفاصل بين الهوية الإريترية والهوية الأثيوبية، حيث اتخذ قلمه كسلاح فاعل في مجابهة الوجود الأثيوبي وهو أمر عرضه في كثير من الأحيان لمخاطر جمة. فمجهود الشيخ إبراهيم هدف إلى “تحرير” التاريخ الإريتري عن طريق صياغة أسسه المختلفة، وقد تم تطوير وتعميق هذه المحاولات لاحقا من طرف بعض أعضاء جبهات التحرير الإريترية(42). فهذا النمط من “المقاومة الثقافية” يحتاج أو يستحق البحث المعمق، وبخاصة في هذا الوقت الذي يكاد يفتقر فيه التاريخ الإريتري المعاصر بشكل أساسي على تاريخ الحركات والكفاح المسلح من أجل الاستقلال.

فالمخطوطات الثلاث المتعلقة بالتاريخ الإريتري والجغرافيا الإريترية وتاريخ المدن الإريترية، تظهر إريتريا ككيان محدد جغرافيا بشكل لافت(43). وتتناول مخطوطتان من هذه الدراسات تاريخ المجموعات السكانية الناطقة بلغة الساهو وتأثيرات اللغة العربية على الساهو(44). فمن وجهة نظر الشيخ إبراهيم – ككاتب مسلم وأديب عربي- كان لإريتريا على الدوام ارتباط عاطفي بالعالم العربي الإسلامي. من هذا المنطق، لم يتوقف الشيخ إبراهيم إطلاقا عن الإشادة للروابط والعلاقات التاريخية والثقافية التي تقرب إريتريا من العالمين العربي والإسلامي، هذا التقارب الذي يجد جذوره في استقبال الأراضي الإريترية لاصحاب النبي محمد (ص) في السنوات الأولى للدعوة الإسلامية مرورا بالقرن الثامن حيث تم تأسيس إمارة إسلامية لبني أمية في جزر دهلك وصولا إلى عصرنا الحاضر. فهذا البعد الإسلامي ساهم من وجهة نظره أيضا في تبلور الهوية الإريترية وتميزها. وفي هذا الإطار يأتي النص الذي كتبه الشيخ إبراهيم حول مدينة باضع (اسم بجاوى قديم لمدينة مصوع)، اعتبرها فيه مدينة إسلامية تجسد العلاقة بين إريتريا والعالم العربي-الإسلامي(45). ومن ناحية أخرى عمل الشيخ المفتي على محاربة العديد من الآراء المجحفة في تاريخ إريتريا وبخاصة تلك التي تتناول الإسلام والمسلمين في البلد. وقد تعرضت ثلاث نصوص للشيخ لهذا الموضوع، يحاول أولها حسم الجدل حول إسلام النجاشي، ويعمل الثاني على توضيح المفاهيم الخاطئة المتعلقة بحضور اللغة العربية في كل من إريتريا وأثيوبيا، ويعود الثالث للوراء قليلا ليتناول قضية الملوك المسلمين في الحبشة(46). فكثيرة هي الكتابات التاريخية للشيخ إبراهيم التي تتناول الجوانب الأكثر حداثة في التاريخ الإسلامي لإريتريا، أهمها ما يتعلق بالقضاء (المحاكم، القضاة، الإفتاء)، والتعليم (المدارس والمعاهد الإسلامية) والعلماء فضلا عن إدارة الأوقاف الإسلامية والرواق الذي خصصه الأزهر لطلبة القرن الأفريقي(47).

فالدراسات والكتابات التاريخية للشيخ إبراهيم تعتمد في مصادرها على معلومات شفهية وأخرى مكتوبة – بما في ذلك المصادر الاستعمارية الإيطالية- تم جمعها بطريقة عالية الدقة والتنظيم.

فمن المعلوم أن المسابقات لقبول القضاة التي كان يتم تنظيمها في سنوات الأربعينات كانت تفرض عليهم ضرورة الإحاطة بخلفيات تاريخية حول مجتمعاتهم وأيضا حول كبار الشخصيات الإسلامية في أقاليمهم. فقد طلب الشيخ إبراهيم –على سبيل المثال- من القاضي حسن عثمان قاضي مدينة مصوع حصر أبرز وجهاء المدينة خلال تاريخها وان يتبع ذلك بوضع قائمة بأسمائهم منذ بدايات القرن السابع عشر(48). وخلال الأربعينيات وأثناء عمله كمراقب للمحاكم الشرعية، عثر الشيخ إبراهيم بمدينة مصوع على مجموعة من السجلات القانونية تعود للعهد العثماني، وقد نجح في حماية ما يفوق ثلث هذه السجلات (وهي التي تغطي الفترة ما بين سنوات 1866-1902م) أثناء نقلها إلى أسمرا حيث لا تزال محفوظة إلى يومنا هذا. فالبحث في التاريخ ألهم الشيخ إبراهيم في مهمته لإعادة تنظيم المؤسسات القضائية في البلد(49). فالبحث المعمق القائم على قراءة وتحليل ما خلفه الشيخ إبراهيم من كتابات ومقارنتها بغيرها من المصادر، هو وحده الكفيل بإكمال وتعميق معرفتنا بالمفتي العام وأفكاره ودرجة تحققها على أرض الواقع. فتوسيع معرفتنا بتاريخ الوطنية الإريترية وتاريخ الإسلام والمسلمين في البلد خلال هذه الفترة الصعبة سيمكننا من جهة أخرى من إغناء فهمنا للسياق السياسي والتاريخي الذي ظهر واشتغل فيه الشيخ إبراهيم ويتيح لنا مرة أخرى تقييم ما لعبه من ادوار خلال هذه المرحلة(50). وفي انتظار ذلك، تظهر هذه الصورة للشيخ المفتي إبراهيم المختار الأهمية غير القابلة للجدل لهذا الرجل المتدين وتجنده في خدمة أهداف وغايات مجتمعه. وتعكس الابيات الشعرية التالية التي كتبها الأستاذ: عبد القادر إبراهيم في رثاء الشيخ إبراهيم مباشرة بعد انتقاله للرفيق الأعلى، الوفاء الشعبي العميق لشخصية المفتي العام، هذا الوفاء والتقدير الذي لم يخبو إلى يومنا هذا:

من للديار لها يامفتي الـــــدار
ودعتنا فجأة من غير إنـــــذار
فأنت كنت لنا ثوبا يزيننـــــا
ومن ترى اليوم يكسي جسمنا العاري
هوامــش البحـــث:

___________________________________________________

هوامــش البحـــث:
* المصدر Chroniques Yemenites, 10,2002 ، ترجمه من اللغة الفرنسية الاستاذ/ احمد فرج احمد.
1- في الحقيقة إني مدين بالشكر لكل من الشيخ سالم إبراهيم المختار ، والأستاذ عبد القادر زكريا ، والأستاذ ازيو تونيني لما قدموه لي من دعم مقدر.
2- للمزيد حول دراسات التاريخ الإريتري راجع: – F.Cayla-Vardhan 2000, B. Tafla 1994
3- يمكن مقارنة شخصية الشيخ ابراهيم بأولئك العلماء البارزين فى شرق افريقيا مثل: الأمين بن على المزورى (1890-1947) من مدينة مومباسا ، وعبدالله صالح الفارسى (توفى فى عام 1982) من زنجبار. فكلا العالمين تمكنوا فى الحفاظ نسبيا على واجباتهم الدينية والوطنية والتعامل بحكمة وحنكة مع القيود المفروضة عليهم من قبل النظام الإستعمارى. ويمكن ايجاد أمثلة بارزة فى:
R. Pouwels, « Sh. Al-Amin b. Ali al-Mazrui and Islamic Modernism in East Africa, » International Journal of Middle Eastern Studies, 13 (1981), pp. 329-345 and A. I. Salim, « Shaikh al-Amin bin Ali al Mazrui : un réformiste moderne au Kenya, » in F. Constantin (ed), Les voies de l’islam en Afrique orientale, Paris, Karthala, 1987, pp. 59-71.
4- حول الأعمال التي تتناول هذه الفترة أنظر دراسات كل من:
G.K.N Trevaskis 1960, L. Ellingson 1977, J.Gebre-Medhin 1989, R. Iyob 1995, T. Negash 1997 and D. Pool 2001.

5- نال العديد من أبناء المسلمين في اريتريا خلال سنوات الاحتلال الايطالي (1890-1941) دراسات دينية في بعض بلدان الشرق الأوسط وبخاصة في مصر والحجاز، نتيجة تشجيع السياسات الاستعمارية للإسلام والمسلمين في اريتريا على حساب المسيحيين الأرثودوكس والمهدية في السودان ويأتي هذا التلاعب بالتقسيمات والاختلافات العرقية والدينية لفائدة تقوية القبضة الايطالية على الإقليم وسكانه لمعرفة المزيد حول الإسلام والمسلمين في عهد الاستعمار الإيطالي انظر دراسة:
J. Miran, “Islam in Eritrea.” (forthcoming).
6- إبراهيم المختار “سلوة الحبايب في رحلة الطالب” مخطوط يدوي وأيضا “يوميات مفتي إريتريا في الحوادث المتتالية” تسجيل يومي لأعمال المفتي الاريتري ، سالم إبراهيم المختار ونشر في جريدة الاتحاد الدولية في 15 حلقة متتالية في الفترة بين شهري مارس وأغسطس 1997 على هذه المخطوطات.
7- يقع ميناء إرافلي جنوب خليج زولا، الواقع على بعد 85 كيلو متر جنوب ميناء مصوع.
8- يضم قومية الساهو حوالي عشر مجموعات فرعية (قبائل) شبه منفصلة، أهمها قبيلة المنيفري التي تنقسم بدورها لأربعة عشائر و 15 فخيدة. ويعد الشيخ إبراهيم القاضي رقم 32 والمفتي الرابع ضمن عشيرته.
للمزيد حول المجموعات راجع: Trimingham 1965 ، ص 177 , محمد عثمان أبو بكر 1994، ص 225-228.
9- فيما يخص الطريقة الصوفية الختمية، اعتمدت أساسا على دراسة الأستاذ علي صالح قرار في مؤلف “الطرق الصوفية في السودان” الصادر في العام 1992 باللغة الإنجليزية ولمعرفة المزيد حول الدور والتأثير الذي كان لهذه الطريقة في اريتيريا راجع:
J. Miran, “Islam in Eritrea.” (forthcoming). )
10- للاطلاع على عناوين بعض هذه الأعمال راجع الحلقة الثالثة من مقال السيرة الذاتية للشيخ سالم إبراهيم المختار 1997.
11- المرجع نفسه
12- المرجع نفسه
13- لم يكن لهذه المحكمة التي تأسست في ابريل 1937 م صفر 1356هـ أي رئيس إلى ذلك الحين، بل كانت تضم ثلاثة قضاة يجتمعون عند الاستدعاء وعقب تنامي أعمال الجريمة والفساد قررت السلطات تعيين قاضي ليبي لرئاستها، ونتيجة لرفض القضاة الإيريتري لهذا الوضع تم أخيرا تعيين الشيخ إبراهيم في هذا الموقع.
14- حول وظيفة مفتي الديار المصرية وتأسيس دار الإفتاء في مصر راجع:
J. Skovgaard-Peterson, Defining Islam for the Egyptian state: Muftis and their Fatwas of the Dar – Al-Ifta, Leiden, Brill 1997, pp. 100-145.
أما في اريتريا قبل تأسيس هذه الوظيفة، كانت القضايا الشرعية تدخل في نطاق اختصاص المحاكم المحلية والإقليمية ونعرف اليوم على سبيل المثال أسماء أربعة مفتيين مارسوا مهامهم في مدينة مصوع خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
15-L. Ellingson
16- كانت اللغتان العربية والتجريبية هما لغات العمل الرسمية في اريتريا أثناء فترة الإدارة العسكرية البريطانية.
17- حول المعلومات الخاصة بإدارة الأوقاف الإسلامية في اريتريا راجع:
– Y. Aberra, 1983-1984.
18- القانون العرفي للمسلمين اكلى قوازي، منشور بأسماء في 15 يوليو 1953
19- لمزيد من التفاصيل حول تأسيس هذه المدارس راجع:
G. Puglisi 1953, p. 146
20- لمزيد من المواضيع راجع الحلقة 15 من مقال الشيخ سالم إبراهيم المختار 1997.
21- للدراسات التي تناولت حياة النجاشي راجع بالخصوص:
– H. Erlich 1994, pp. 5-19
– J.S. Trimingham, Islam in Ethiopia, 1965, pp. 45-46 and pp. 50-51.
22- راجع الحلقة السادسة من مقال الشيخ سالم إبراهيم المختار.
23- في ظل هذه الأحداث الدموية التي كانت تهدد كل القادة المطالبين بالاستقلال، تم اغتيال الشيخ عبد القادر كبيري رئيس مكتب اسمراني الرابطة الإسلامية- في الثلاثين من مارس 1949 عشية استعداده لحضور الدورة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة.
24- R. Iyob 1995, p. 84.
25- المرجع نفسه، ص:88-97
26- 138-125 T. Negash 1997, pp
27- كان الشيخ الحاج سليمان أحمد عمر ناشطا بارزا في الرابطة الإسلامية، وناطقا باسم الحزب بقطاع اكلي قوازى وعضو في المجلس الأعلى انظر كل من:
– G.Puglisi 1952, p. 227 and
– T.Negash 1997, pp. 130-131
28- Y.Beyene 1985, p. 71
29- أريتريا الإسلامية: بين الحكم الفيدرالي والاستعمار مقال منشور بجريدة المنار، 22 جمادى الأولى 1380هـ 1 ديسمبر 1960م وقد تم إعادة نشر هذا المقال بجريدة “الندوة” السعودية.
30- محمد سعيد ناود، حركة التحرير الاريترية، ص 81-82.
31- حول المقتطفات الشعرية التي قرأت في حفل التأبين راجع مقال الشيخ سالم إبراهيم المختار 1997، الحلقة 13.
32- يقع مكتب المفتي العام ومكتبه داخل مجمع المسجد الكبير باسمرا ويعمل اليوم كمكتب لمجلس الأوقاف الإسلامية.
33- 08 فبراير 1946.
34- 15 فبراير 1946
35- 09 أغسطس 1946.
36- 25 اكتوبر 1946
37- 13 يونيو 1947
38- 24 أكتوبر 1947
39- 14 نوفمبر 1947
40- حول القائمة الكاملة للنصوص الدينية راجع سالم إبراهيم المختار 1997، الحلقة 15 وأيضا السيد الجميلي في مجلة الأزهر عدد ربيع الأول 1418هـ (يوليو 1997)، ص 481-483.
41- يمكن إيجاد بعض المراجع في هذا الموضوع في:
Sellahaddin Abdellah, “Saho: highlights on historical perspectives,” BA – Thesis, Department of History, University of Asmara, July 2001.
42- حول هذا الموضوع انظر دراسة:
– F. Cayla-Vardhan 2000, pp. 38-46
43- هذه النصوص هي:
– الأول البداية في تاريخ اريتريا
– الثاني معلومات عامة وجيزة حول تاريخ وجغرافية ارتريا
– الثالث الرواية في تاريخ مدن ارتريا
44- هذه النصوص هي:
الأول: الحا وي لأخبار الشعب السيهاوي
الثاني: الهدية إلى ما في اللغة السيهاوية من ألفاظ العربية
45- إبراهيم المختار 1958م-1378هـ
46- النصوص الثلاثة هي:
الأول: إزالة الغواشي من أخبار النجاشي
الثاني: دحض الوشاة حول اللغة العربية فى اريتريا والحبشة
الثالث: محو الغشاء عن ملوك الإسلام فى الحبشة
47- النصوص التسعة التي تندرج تحت هذا التصنيف هي:
الأول: الكافية في تراجم قضاة ارتريا
الثاني: نخبة الأذكياء في تاريخ قضاة ارتيريا
الثالث: الوافية لأخبار الإفتاء بأريتريا
الرابع: الكافية في تراجم قضاة اريتريا
الخامس: نخبة الأذكياء في تاريخ قضا اريتريا
السادس: الوافية بالإفتاء في تاريخ اريتريا.
السابع: مختصرالتاريخ للمعاهد والمدارس الارتيرية
الخامس : التربية الوطنية للمعاهد والمدارس الارتيرية
السادس : القنبرة في تاريخ المركز الإسلامى باسمرة
السابع :’الدرر فى ترتيب لفت النظر الى علماء الإسلام فى اريترية فى القرن الرابع عشر
الثامن : الثريا بأخبار أوقاف ارتريا الإسلامية
التاسع : جلاء النظر بأخبار رواق الزيالعة ثم الجبرتى بالأزهر
48- إبراهيم المختار 1958، ص 77-78.
49- راجع المقال المطول للشيخ إبراهيم المختار حول القضاء الإسلامي في مجموع ص 73-97 وأيضا ورقة لي في موضوع بعنوان:
The registers of Islamic court as a source for the social and economic history of Massawa, 1860-1900″, Workshop on Ethiopia and the Horn of Africa, INALCO Paris, December 14, 2000
50- وهو ما حاولنا القيام به في هذا البحث
51- مفتى الديار الإريترية
52- ترجمتي الشخصية وحول النص الكامل للقصيدة الشعرية راجع، الحلقة 13 من مقال الشيخ سالم إبراهيم المختار 1
لائحة المصادر والمراجع:

أولا: باللغة العربية
– عبد القادر حقوس الجبرتي، المفتي إبراهيم المختار تحديات ومواقف (القاهرة).
– إبراهيم المختار أحمد عمر، الجامع لأخبار جزيرة باضع، مخطوط يديوي غير منشور 1958م (1378هـ) اسمرة.
– محمد سعيد ناود، حركة تحرير اريتريا: الحقيقة والتاريخ (جدة)
– محمد عثمان أبو بكر، تاريخ اريتريا المعاصر: الأرض والتاريخ، القاهرة 1994.
– سالم إبراهيم المختار، الشيخ إبراهيم المختار، جريدة الاتحادي الدولية السودانية، القاهرة 1997م.
– سلسلة حول السيرة الذاتية للشيخ إبراهيم نشرت في 15 حلقة متتالية في الفترة ما بين شهري مارس وأغسطس 1997م.
[الحلقة الأولى] 08 مارس [الثانية] 12 ابريل [الثالثة] تكملة [الرابعة] 10 مايو [الخامسة] 17 مايو [السادسة] 24 يونيو [السابعة] 01 يوليو [الثامنة] 08 يوليو [التاسعة] 15 يوليو [العاشرة] 22 يوليو [الحادية عشر] 29 يوليو [الثانية عشر] 05 أغسطس [ الثالثة عشر] 12 أغسطس [الرابعة عشر] 19 أغسطس [الخامسة عشر] 26 أغسطس.
– السيد الجميلي ، الشيخ إبراهيم المختار أحمد عمر مفتي الديار الإريترية، مجلة الأزهر، القاهرة، ربيع الأول 1418هـ يوليو 1997 ص 377-383.

ثانيا: باللغات الأوربيــة:
– Y. Aberra, “Muslim institutions in Ethiopia: the Asmara Awqaf, “Journal of the Institute of Muslim Minority Affairs, 1983-1984, pp. 203-223.

– F. Cayla-Vardhan, “Les enjeux de l’historiographie érythréene,” Travaux et Documents, no: 66-67, CEAN,IEP, Bordeaux 2000.

– Y. Beyene, “la lotta per l’indipendenza dell’Eritrea ed I Paesi Arabi,” in Cerqua,
Clelia Sarnelli, ed., Studi arabo-islamici in onore di Roberto Rubinacci nel suo settantesimo compleanno, Naples, Vol. 1, pp. 69-85.

– L. Ellingson, “The emergence of political parties in Eritrea 1941- 1950,” Journal of African History, 18 (2) 1977, pp. 261-181.

– H. Erlich, Ethiopia and the Middle East, Boulder, Lynne Rienner 1994.

– J. Gebre-Medhin, Peasants and nationalism in Eritrea: a critique of Ethiopian studies, Trenton, NJ: Red Sea Press 1989.

– R. Iyob, The Eritrean struggle for Independence: Domination, Resistance, Nationalism 1941-1993, Cambridge: Cambridge University Press 1995.

– T. Killion, Historical dictionary of Eritrea, Lanham, MD and London: The S Scarecrow Press Inc. 1998.

– J. Markakis, National and Class and Conflict in the Horn of Africa, Cambridge: Cambridge University Press. 1987

– J. Miran, “Ibrahim al-Mukhtar Ahmad Umar”, Encylopaedia Aethiopica, Siegbert Uhlig (ed), Wiesbaden, Harrassowitz Verlag (forthcoming)

– J. Miran, “Islam in Eritrea,” Encylopaedia Aethiopica, Siegbert Uhlig (ed), Wiesbaden, Harrassowitz Verlag (forthcoming).

– T. Negash, Eritrea and Ethiopia: the Federal Experience, Uppsala Nordiska African Institute, 1997.

– D. Pool, From Guerrillas to Government: the Eritrean People’s Liberation Front, Oxford and Athens, OH: James Currey and Ohio University Press, 2001.

– G. Puglisi, Chi e ? dell’Eritrea. Dizionario Biografico Asmara 1952.

– G. Puglisi, “La scuola in Eritrea ieri e oggi,” Africa (VIII, 5) 1953, pp. 145-148.

– B. Tafla, “Interdependence through Independence: The Challenges of Eritrean Historiography,” New Trends in Ethiopian Studies: Proceedings of the 12th International Conference of Ethiopian Studies, Harold G. Marcus (ed.), vol 1, Lawrenceville, NJ, Red Sea Press, 1994, pp. 497-514.

– G. K. N Trevaskis, Eritrea. A Colony in Transition, 1941-1952, London, Oxford University Press 1965.

– J.S Trimingham, Islam in Ethiopia, London, Frank Cass, 1965 (1st edition in 1952).

– Ministry of Information, Religious freedom in Ethiopia, Publications of Foreign Languages Press Department, Addis Ababa 1965. p91.

تعليقات محرر الموقع:

1- لم يكن لسماحة المفتي إنتماء لأي جهة صوفية ، وعلاقته بالمراغنة كانت مبنية على الإحترام المتبادل والتعاون فيما فيه الصالح العام. ولكن ذلك لم يمنع سماحته من إبداء إستنكاره لبعض ما شاهده في شرق السودان من مبالغات في تقديس الأئمة ، ومن تجاوزات “الخلفاء” في حق العلماء واعتراضهم عليهم بدون مؤهل علمي. ويبدوا من كتابات المفتي أن علاقة والده لم تتجاوز حد حصوله على إجازة الأوراد من مشايخهم وربما لقب الخليفة ، وهو أمر كان معتادا في تلك الأيام نظرا لما كان يتمتع به المراغنة من تأثير ونفوذ ، وقبول عام عند الخاص والعام. أنظر صفحة مواقف (و) تراجم
2- فيما يتعلق بتعيين المفتي يمكن الإطلاع على صفحة تراجم.
3- ضريح النجاشي تم بناءه بعد ممانعة شديدة وتهديدات خفية من قبل السلطات ، بمبادرة من أبناء محمد علي من أهالي تجراي وهم الحاج محمد عبد والحاج سعيد والحاج حسين في منطقة تبعد عن أسمرة ب250 كيلوا مترا ، وتقع في منطقة قريبة من حدود أرتريا وإقليم التجراي الأثيوبي. ويقع بجوار الضريح قبر الصحابي عدي بن نضلة ، ومسجد ، ومكان واسع للإجتماعات. وقد حضر إفتتاح المقام جمع من العلماء والوجهاء ، وقد ألقى في هذه المناسبة فضيلة الشيخ محمد بدوي وفضيلة الشيخ وهبة محمد أبو عزيزة (من علماء البعثة الأزهرية) قصائد تتحدث عن سيرة النجاشي ومآثره الكبيرة. ولسماحة المفتي مؤلف وأكثر من مقال حول النجاشي وتاريخه ، يمكن الرجوع في هذا إلى صفحة المقالات.

___________________________________

النص العربي للدراسة منقول من موقع: http://www.allsaho.com/contrib_arabic_article.php?nr_ord=86

1 عدد الردود
  1. سعيد
    سعيد says:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    اشكر القائمين على موقع الشيخ إبراهيم المختار رحمه الله ، وكلي رغبة وشوق للإطلاع على كتبه مثل الحاوي في أخبار الشعب السهاوي وغيره .
    هل أشرتوا لنا كيف نحصل على نسخة منه ؟

    شكراً

    رد

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × three =