مقالات: السلطات الدينية في أرتريا قديما وحديثا

كان من عادة سماحة المفتي أن يتناول بين الحين والآخر في محاضراته ومقالاته قضايا تاريخية ، وقضايا إدارية تتعلق بالمؤسسات الإسلامية ، وذلك بهدف نشر الوعي وتعريف الناس بالقضايا العامة. وهذه محاضرة ألقاها سماحة المفتي في جامع الخلفاء الراشدين ، ونشرت لاحقا في جريدة الوحدة في عددها الصادر في يوم 25 و 26 من نوفمبر 1965م.

 

تاريخ دخول الإسلام إلى أرتريا وإداراته الدينية

قال الله تعالى: “سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير”.

مزايا شهر رجب : نحن الآن في شهر رجب ، وهو شهر يمتاز عن غيره من الشهور بعدة مزايا تاريخية تالدة وقعت فيه بيناها ونشرناها مرارا في مثل هذه المناسبة من السنيين الماضية ، ومن ضمن تلك المزايا دخول الدين الإسلامي فيه إلى هذا القطر ، وبهذه المناسبة نتكلم عن موجز مما يتعلق بالإدارة الدينية الإسلامية في هذا القطر كما يلي.

هبوط أول بعثة إسلامية في باضع (مصوع): في شهر رجب سنة خمس من بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وثمان قبل الهجرة النبوية الموافق سنة ستمائة وأربعة عشر ميلادية ، قد دخل الدين الإسلامي – قبل سائر المعمورة سوى مكة – إلى هذا القطر في شهر رجب ، حيث هبطت في التاريخ المذكور أول بعثة إسلامية إلى البلاد الخارجية مكونة من خمسة عشرة نفرا من مكة إلى جزيرة باضع (مصوع) برئاسة عثمان ابن عفان الأموي ، الصحابي ، صهر رسول الله ، وخليفته الثالث. وبعده بقليل أتت بعثة ثانية ، ووجدت ترحيبا عظيما في بلاط النجاشي ، حيث تلي القرآن في رحابه لأول مرة ، تلاه زعيم البعثة جعفر ابن أبي طالب إبن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سورة مريم ، ومن سورة العنكبوت ، ومن سورة الروم حتى تأثر النجاشي ورجال حاشيته من سماعه ، ففاضت أعينهم بالدموع ؛ ثم قام الدعاة من هذا القطر بنشر الدين الإسلامي الحنيف في المناطق الأفريقية المجاورة ، حتى وصل دعاتهم إلى ساحل الأطلنطي وخليج غينيا. وهذه الأسبقية التالدة الفريدة من نوعها تعتبر من أسمى المفاخر التي ينبغي أن يحتفل بذكراها مسلموا قطرنا على الخصوص في كل عام ، علاوة على الإحتفال العمومي بذكرى الإسراء والمعراج.

 

السلطات الدينية الإسلامية فيها قديما

ومن ذلك التاريخ قد انتشر الإسلام في هذا القطر ، والهيئات القائمة بنشره هي:

أولا: شيوخ الحلال والحرام ، وهم العلماء والقضاة ، الذين ألقوا على عاتقهم مهمة إرشاد الأمة إلى أحكام الشرع الإسلامي الصحيحة ، وتطبيقها على أمورهم الدينية ، وحوادثهم القضائية ، وكل مايرفع شأن الدين وشأن المتدينين به.

ثانيا: شيوخ الطرق الصوفية ، وهم الذين كانوا يمسكون زمام العامة بعهودهم ومبايعاتهم بالإلتزام بآداب الدين الإسلامي ، ودعوة أبناء الطوائف الأخرى إلى الدخول فيه.

ثالثا: شيوخ المدائح النبوية والأذكار بين القبائل والمجموعات ، وهؤلاء كانوا يتزعمون القيادة الدينية بين المذكورين بالتوارث عن أبائهم وأجدادهم ، وكل طائفة منهم كانت تختص شياخة القبيلة أو المجموعة ، وتلك الشياخة تكون قد نشأت عن أصل معروف بينهم ، مثل أن يكون جدها قد نشر الإسلام بين تلك القبيلة وأسلمت على يد جدها ونحو ذلك. والعامة تحوطهم بنطاق من التبجيل والإحترام ، وهم يقومون بينها بتنظيم حفلات الأذكار ، والمدائح ، والإستغاثات ، والدعوات في المواسم الدينية ، وحفلات الأفراح ، والمآتم. وكانوا يقتبسون المعلومات من الطائفتين السابقتين ، ويقومون بنشرها بين العامة لكونهم أكثر إختلاطا من غيرهم بأفراد الشعب.

السلطات الدينية الإسلامية فيها حديثا

وفي العصر الحديث ، وبالتحديد بعد عام 1360هـ الموافق عام 1941م ، فإن السلطات الدينية الإسلامية بأرتريا تنقسم إلى الهيئات التالية:

الأولى: الهيئة الإدارية العامة.

وهذه هيئة رسمية حكومية تتكون من مصلحتين: دار الإفتاء ، والمحاكم الشرعية. وقد أصيبت هذه الهيئة في العصور المتأخرة – بعد عام 1318هـ* – بهزات تدريجية طال أمدها ، حيث أضعفت كيانها ، وكادت تقضي عليها لولا مثابرتها على التمسك بحقها ، والذود عن نفسها ، حفاظا على تقاليد دينها ، وماضيها التليد.

ا- دار الإفتاء الأرترية:

أما المصلحة الأولى ، فدار الإفتاء الأرترية ، ورئيسها المفتي ، وهو المرجع الأخير لكافة الشؤون الدينية الإسلامية ، وله مختصات منصوص عليها في المراسيم الحكومية ، والبعض الآخر مشتق من التقاليد المحفوظة ؛ وقديما كانت مختصاته أوسع مما صارت إليه في العصور المتأخرة.

مختصات دار الإفتاء الأرترية:

ومن مختصاته المنصوص عليها في المراسيم الحكومية – كما في إعلان رقم 133 الصادر يوم 10 من سبتمبر 1952م – الموضحة فيما يلي:

1)    بموجب مادة (5) فقرة (4) منه ، للمفتي حق الإشراف الإداري العام على المحاكم الشرعية.

2)    بموجب مادة (8) فقرة (ب) منه ، له حق إختيار القاضي الشرعي.

3)    بموجب مادة (28) منه ، له الحق الشورى ، كرئيس للمحكمة الكبرى في القسم الشرعي.

4)    بموجب مادة (72) فقرة (ب) ، له حق الإشتراك في لجنة القوانين.

5)    له الإشراف والمسؤلية العامة على كافة أوقاف أرتريا الإسلامية ، بموجب مرسوم حاكم عام أرتريا الصادر في اليوم الرابع من نوفمبر 1943م ، وتفاصيل واجباته موضحة في مذكرة قضاة عشرين محكمة شرعية أرترية ، المؤرخة يوم 9 من نوفمبر 1952م ، والمذكور فيها 14 موضوعا منها في صفحة 6 و 7 و 8.

ب – المحاكم الشرعية:

أما المصلحة الثانية فهي المحاكم الشرعية ، وهي هيئة رسمية حكومية أيضا تشرف على جميع الشؤون الدينية الإسلامية سواء كانت قضائية أو غيرها ، تحت المراقبة والإشراف العام للمفتي ، وكل قاضي في منطقته يعتبر مديرا عاما للشؤون الدينية الإسلامية ، والقانون الحكومي يصرح بأن القاضي الشرعي هو المعين لتطبيق الشرع الإسلامي بنص مادة (22) فقرة (ج) من قانون إدارة العدل – المحكمة الكبرى لعام 1953م.

قوانين المحاكم الشرعية :

وهذه المحاكم تطبق أحكام الشرع الإسلامي في جميع القضايا الواقعة بين المسلمين في غير الحدود ، والقصاص ، والشتائم والنزاعات السوقية العادية ، طبقا لمادة (42) من القانون القضائي لمستعمرة أرتريا الصادر يوم 30 من مايو 1935م ، ونصوص الباب الثاني من قانون المحاكم الشرعية رقم (2) لعام 1365هـ الموافق 1946م ، الذي وضع بناءا على طلب رئيس مصلحة القضاء للمحاكم الأرترية بخطابه رقم (266) عمومي المؤرخ 27 نوفمبر عام 1945م ، والموافق عليه من تلك المصلحة بموجب خطابها رقم (266) عمومي المؤرخ 14 من ديسمبر 1949م ، بعد مراجعات دامت قرابة خمس سنوات بين تلك المصلحة ودار الإفتاء ، ثم المعترف به بمادة (8) من قانون إدارة العدل – المحكمة الكبرى لعام 1958م ، وهو المنشور في الغازيتة الأرترية رقم (5) في 23 من مايو 1958م ، وهو الجاري عمله الآن في المحاكم الشرعية الأرترية بموجب مادة (6) من الأمر الإمبراطوري رقم  (27) لعام 1962م.

الأحكام بالمذاهب الأربعة :   

والقضاء في هذه المحاكم لايختص بمذهب معين ، وإنما يحكم القاضي جميع ما يعرض عليه على حسب مذهبه حنفيا كان أو مالكيا أو شافعيا ، وعند الإستئناف تنظر محكمة الإستئناف في الحكم على حسب مذهب القاضي المستأنف منه فقط دون بقية المذاهب ، كما تنص على ذلك مادة 192 من قانون المحاكم الشرعية ، ولذلك تعتبر أعمال هذه المحكمة أشق من أعمال محاكم الإستئناف الأخرى. وقبل العصر الإيطالي كان الحكم بالمذهب الحنفي فقط ، كما كان الحال في جميع الولايات التابعة للخلافة التركية.

مؤهلات القاضي الشرعي :

وقضاة هذه المحاكم يختارهم المفتي من ذوي المؤهلات التالية :

أ‌-     حملة الشهادة العالمية من المعاهد الدينية الخارجية.

ب‌- المشتغلون في القضاء الشرعي مدة ، دون أن تثبت عليهم أي جناية.

ج – الناجحون في الإمتحانات المحلية بإشراف المفتي.

د- شخص ذو أهلية ولا رغبة له في القضاء ، ولا يوجد في جهته من هو أحسن منه ؛ فالمفتي بإمكانه أن يرغبه في تولي القضاء واختياره للمنصب كما حصل في إختيار قاضي عدي وقري في عام 1946م ، وقاضي عدي خواله في عام 1952م ، وقاضي عصب في عام 1964م.

ملاحظات المفتي عند إختيار القاضي :

المعتاد أن ينظر المفتي عند إختيار القاضي في مذهبه ، وأخلاقه ، ولغته ، وبيئته ، وعلى الأخص في قضاة القبائل والمراكز ، ويراعى ذلك مع الأحوال الموجودة في منطقة حكمه ، ويقدم من كان له تجانس مع أحوال سكانها على غيره ، تحقيقا للألفة بين الحاكم والمحكوم. ويوجد أيضا تمييز بين قاضي المديرية وقاضي المركز في الكفاءة ، ففي الأول تراعى المقدرة العلمية ، والحنكة العملية ، والجد والشجاعة ، أكثر من مراعاتها في الثاني كما هو مسطر في البند (5) من مذكرة المفتي ، المؤرخة 25 شعبان 1385هـ الموافق 11 من شهر فبراير 1961م ، المعنونة : إلى رئيس المحمكة الكبرى ، والمرسولة صورتها إلى رئيس الحكومة ، ورئيس الجمعية الأرترية ، وإلى وزير القانون والعدل.

الإمتحان للقاضي الشرعي :

نظام الإمتحان للقاضي الشرعي مشروح في مذكرة المفتي المشار إليه آنفا ، إبتداءا من البند التاسع إلى الثالث عشر منها ، وهو لا يقام إلا عند فقدان أصحاب الكفاءة المشار إليهم آنفا ، ولذا أقيم الإمتحان ثلاث مرات فقط في ظرف خمس وثلاثين عاما إلى هذا اليوم كما يلي :

1-   الإمتحان الأول حدث عند خلو محكمة عدي قيح ، وأغردات ، وجندع من قضاتها ؛ فقد أقيم في فبراير عام 1931م أمام لجنة مكونة من ثلاثة ، تحت إشراف مدير إدارة الشؤون المدنية والسياسية للحكومة في الفقه الحنفي ، والمالكي ، والشافعي ، والخط العربي.

2-   الإمتحان الثاني تم تحت إشراف مفتي أرتريا في يناير 1952م ، أمام لجنة مكونة من أربعة من العلماء (3 قضاة شرعيون ، وشيخ المعهد الديني الإسلامي بأسمرة) في فقه المذاهب الثلاثة ، وآداب القاضي ، والأخلاق ، والإملاء ، والإجراءات القضائية ، والتوثيقات الشرعية والسياسية الشرعية ، ونجح فيه 5 أنفار من 17 ، ودام الإمتحان 4 أيام.

3-   الإمتحان الثالث تم تحت إشراف مفتي أرتريا في شهر مارس 1961م ، أمام لجنة رباعية كالسابق ونجح فيه 7 أشخاص من مجموع 31 ، ودام 4 أيام.

تفتيش المحاكم الشرعية :

ولها نظام للتفتيش ، وقد صدرت من الحكومة في ذلك أربعة منشورات إلى المفتي في ظرف 26 عام إلى هذا اليوم:

1-   منشور حاكم عام أرتريا رقم (231195) ، المؤرخ 11 من يونية 1940م ، وكان عدد المحاكم 40 محكمة شرعية.

2-   منشور رقم (20) (أ) ، المؤرخ يوم 30 من شهر مايو 1942م ، الصادر من مصلحة القضاء ؛ وبمقتضى هذا فقد سافر المفتي وفتش جميع المحاكم الشرعية في أرتريا ، وكتب تقريرا كبيرا يحتوي على 25 صفحة ، وختمه بملاحظات تحتوي على 20 موضوعا ، شارحا فيه كافة أحوالها ومايتخذ لإصلاحها وتنظيمها ، وعلى ضوء ذلك أجريت في المحاكم عدة تصليحات.

3-   منشور رقم 20\4476\ ، المؤرخ 7 من شهر نوفمبر 1958م لرئيس المحكمة الكبرى الأرترية.

4-   منشور رقم 76 ، المؤرخ 26 من شهر ديسمبر 1958م لوزارة العدل والقانون.

الثانية: هيئة البحوث القانونية

الهيئة المذكورة بدأت فكرتها في عام 1361هـ الموافق 1942م ، بغرض تحكيم أمور القضاء ، وتحسين نظم تسجيلاتها على الطرق العصرية الحديثة ، واتصال القائمين بها بعضهم ببعض للتشاور والتعاون والتباحث فيما يصعب عليهم من أحكام الحوادث المتجددة ، لإيجاد حل لها من آراء أرباب المذاهب الإسلامية على ضوء قواعد الدين الإسلامي. ولها ميثاق وضع يوم تأسيسها ، ويحتوي على ثمانية مواد. وجميع المسائل التي تحتاج إلى البحث وإصدار قرار فيها كانت تقدم إلى دار الإفتاء الأرترية ، وبعد تجمع عدد كبير من هذه المسائل تقوم دار الإفتاء الأرترية بتنظيم تلك المسائل وطبعها وإرسالها لكل قاضي منها نسخة ليكتب كل واحد رأيه في كل مسألة على حسب مذهبه واستطاعته ، ثم يرسل ذلك إلى دار الإفتاء ، وبعد وصول ردود القضاة يعقد مؤتمر للقضاة الشرعيين بأمر من المفتي ، ويحضر الجميع إلى العاصمة أسمرة في الميعاد المحدد لذلك.

المؤتمر الأول للقضاة الشرعيين وأعماله :

وأول مؤتمر لهذه الهيئة قد افتتح في يوم 15 من ربيع الأول 1370هـ الموافق 2 يناير1951م ، بحضور رئيس مصلحة العدل والقانون ، وبرئاسة مفتي أرتريا وقاضي قضاتها ورئيس محكمة أرتريا للإستئنافات الشرعية ، وكان عدد المسائل المعروضة على هذا المؤتمر 35 مسألة ، وفيه قد صدرت عدة قرارات ، منها ضبط دية المسلم من الفضة بالعملة المحلية ، والعمل بخبر المذياع في صباح رمضان ، وإبطال إثبات نسب المسلم بغير قانون دينه ، وقرارات أخرى في دعاوي الرق ، والعتق ، وفي زواجات المحكوم عليهم بالسجن المؤبد أو الطويل ، وفسخ العقد على مخطوبة الغير ، كما وافق المؤتمر على قانون رقم (2) للمحاكم الشرعية لعام 1946م.

المؤتمر الثاني للقضاة الشرعيين وأعماله :

عقد المؤتمر المذكور بمدينة أسمرة في يوم 21 صفر 1372هـ الموافق 2 نوفمبر 1952م ، وعدد المسائل المعروضة عليه كانت 28 مسألة ، وعرض عليه أيضا النظام الجديد الذي وضع في إعلان (133) الصادر يوم 10 ديسمبر 1952م. وقد درس المؤتمر ما يحتوي عليه الإعلان من المضرات للإدارة الدينية الإسلامية والتي من ضمنها حجر المحاكم الشرعية على مايسمى ب”الأحوال الشخصية” ، وحكم القاضي بين المسلمين الوطنيين فقط بشرط إتفاق الطرفين للتحاكم أمامه. وقد كانت المحاكم تحكم في جميع القضايا الواقعة بين المسلمين مدنية كانت أو تجارية ، وغرض الإعلان إدخال الضعف في مكانة القوانين الشرعية ، ومساواتها مع الملل الأخرى التي ليس لها أحكام سماوية في كتبها تطبق على مختلف الحوادث ؛ فلذا قد قرر تحرير مذكرة للإحتجاج عليه وطلب تعديله إلى ما يتفق مع تقاليد القطر ، وفعلا قد كتبت وطبعت في كتيب يبلغ 21 صفحة وزيلت بإمضاءات 20 محكمة شرعية ، ورفعت من حينه إلى كافة ذوي الشأن كما تقدم آنفا ، وهذه المذكرة قد كشفت سيئات الإعلان ومضراته مفصلا.

منشأ الأحوال الشخصية وسببه:                 

الأحوال الشخصية المشار إليها آنفا يفهم من لفظهم أنها إسم لكل مايتعلق بشخصية الإنسان ، ولكنها في الإصطلاح الأوروبي خاصة ببعض المسائل المتعلقة بذات الإنسان من حين نشأته إلى حين موته وهي : النكاح ، والطلاق ، والإرث ، والوصية ، والهبة ، والوقف. ومنشأ هذا الإصطلاح أن الدول الأوروبية كانت تسير تحت سيطرة بابواتها ، وبيدهم مقاليد أمور دينهم ودنياهم ؛ ثم حدثت ثورات الشعوب على تلك السيطرة ، ونتج من ذلك حصر سلطتهم في إدارة المعابد ، وبعض الشؤون العائلية المشار إليها آنفا ، وعرف ذلك بالأحوال الشخصية.

إمتداد الأحوال الشخصية إلى الشرق :

وأخيرا من هناك إمتد ذلك الإصطلاح إلى بعض الدول الإسلامية ، وعلى الأخص بعد أن أبرم السلطان سليمان القانوني التركي معاهدة قانون الإمتيازات الأجنبية في عام 1535م مع ملك فرنسا المحتوية على 16 مادة ، والتي ألغتها الدولة التركية أخيرا في عام 1914م. وكان غرض السلطان من إبرام هذه المعاهدة إظهار التسامح الديني مع أبناء الملل الأخرى ، وجلب المنفعة لبلاده بمهاجرة الأوروبيين وغيرهم إليها حينما يسمعون عن مثل هذا التسامح من سلطان المسلمين ، وتصبح بلاده مركزا هاما في التجارة والصناعة ، ويقصدها الوارد والمتردد ، ونتج من ذلك أن الأقليات في الملل الأخرى غير الإسلامية التابعة للحكم السلطاني قد وجدت حرية الإحتكام برؤساء أديانها في المسائل المتقدمة.

الأحوال الشخصية في أرتريا لأول مرة :

ثم تغيرت الظروف وسقط الحكم التركي ، وبعض البلدان الإسلامية التي كانت تابعة له قد وقعت تحت سيطرة الدول الإستعمارية التي بدورها قد فرضت الأحوال الشخصية على المحاكم الشرعية الإسلامية لتلك البلدان التي كانت قبل ذلك خاصة بالأقليات في أبناء الملل الأخرى. والقطر الأرتري …. لم يتدخل الإستعمار في تقاليد دين أهلها ، وكان أهلها يحتكمون بالقانون الإسلامي بدون أي حجر عليه ، إلى أن جاء شهر سبتمبر 1952م حيث وضع الإعلان المشار إليه آنفا. ومنذ ذلك التاريخ إبتدأت المحاولة لتطبيقها على المحاكم الشرعية الأرترية لأول مرة في التاريخ ، وقضاتها قد دافعوا دفاعا مجيدا في مذكرتهم التاريخية كما تقدم قريبا.

مضرة الأحوال الشخصية :

والخلاصة أن الأحوال الشخصية إصطلاح أوروبي نشأ من كراهة سيطرة الدين في الغرب المسيحي ، ولا يتفق مع الشرق الإسلامي المتمسك والمتسامح …. ، ومخالف للقوانين الدولية وحقوق الإنسان التي تعطي حرية التدين لكل الملل وشعوبها ؛ والدين في العرف الإسلامي يشمل كل ماجاء به نبي الإسلام سواء كان ذلك قضاءا أو غيرها ، وليس فيه عرف يقال فيه الدين شئ والسياسة شئ آخر ، بل هو شئ واحد يعود إلى أعمال المكلف الذي تعتريه أحكام الشريعة الخمسة وشعب الإيمان ، قال تعالى: “إن الدين عند الله الإسلام” وقال “ورضيت لكم الإسلام دينا”. وإنها مضرة بالمسلمين حيث تحجزهم عن الإحتكام بقوانين دينهم ، وتضعف في نفوسهم حرمة الدين وكرامته تدريجيا ، حتى يضمحل نفوذه في أوساطهم الإجتماعية والثقافية وغيرها ، وعلى الأخص في مثل بلادنا هذه………

 

الثالثة : الهيئة المالية

وهذه الهيئة تتكون من لجان الأوقاف الإسلامية في جميع مديريات القطر ، وتشرف على الأوقاف ، والمساجد ، والجوامع ، والزواوي ، والمدارس الخيرية الإسلامية ، وهي تحت إشراف القاضي الشرعي ، الذي يخضع لإشراف المفتي. وبعض هذه الهيئات تعين بمنشورات من دار الإفتاء الأرترية ، ولهذه الأوقاف قانونان رسميان أحدهما مؤرخ بعام 1936م ويحتوي على 27 مادة ، والثاني لعام 1943م ويحتوي على ثماني عشرة مادة.

الرابعة : الجمعية الخيرية

وهذه الهيئة قد أنشئت بالمرسوم الحكومي رقم 923 المؤرخ يوم 30 يوليو عام 1937م ، والمحتوي على 27 مادة. وهدفها معاونة الفقراء ، والعجزة ، والأيتام ، والمرضى ، وتجهيز الجنائز ، ودفن الموتى ، ومساعدة المسافرين إلى الحج وغيرها كما تنص المادة الأولى في المرسوم. وكان لهذه الهيئة مركزان أحدهما في مصوع والثاني في أسمرة.

الخامسة : الهيئة الصوفية أو الذكرية

الهيئة المذكورة تتكون من شيوخ الطرق الصوفية الإسلامية : كالقادرية ، والشاذلية ، والميرغنية ، والأحمد إدريسية ، والتيجانية ، والسمانية. ووظيفتها مسك زمام العامة ، وسوقها إلى الأخلاق الفاضلة ، وتحذيرها من جميع أعمال الشر ، وتلقينها الأذكار الدينية التي تدعوا إلى سبيل الخيرات وإلى طاعة الله ، وأخذ التعهدات عن العامة للإبتعاد عن المخالفات الشرعية.

السادسة : الهيئة الإرشادية

تتكون هذه الهيئة من أئمة المساجد ، والخطباء ، والوعاظ ، والمؤذنين ، وواجبها : إقامة الشعائر التعبدية في المساجد ، وإرشاد المسلمين إلى ما يصلح عباداتهم ، وسائر ما يجلبهم إلى الصفات الفاضلة ….

السابعة : هيئة التعليم والثقافة

وواجب هذه الهيئة القيام بشؤون التعليم ، والثقافة الإسلامية والعربية للناشئة وغيرها من خلال المعاهد الدينية ، والمدارس الخيرية.

الثامنة : هيئة المراقبة العامة

هيئة المراقبة العامة للشؤون الإسلامية – وتسمى جبهة العلماء- أنشئت في شهر شعبان 1372هـ الموافق 16 مايو 1952م ، وواجبها مراقبة الحالة العامة للشؤون الدينية الإسلامية في القطر الأرتري ، وتوحيد صفوف المسلمين ، ومحاربة التعصبات الجنسية والطائفية بينهم ، وسوقهم إلى ما يؤدي إلى نهوضهم في الشؤون الثقافية ، والقومية ، والمحافظة على الشعائر الإسلامية ، وإحباط الوسائل المتخذة ضد الدين وضد عامة المسلمين بهدف إخراجهم من دينهم. وتقوم هذه الهيئة بإلقاء المحاضرات ، والدروس اليومية ، والأسبوعية ، وإصدار النشرات المختلفة ، وعلى الأخص في المواسم العامة. ولهذه الهيئة ميثاق يحتوي على سبع مواد وضعت يوم تأسيسها.

هذا موجز من متعلقات الإدارة الدينية الإسلامية ، وهي متحدة في الأصل ، متعددة بعدة فروع ، سقناها بمناسبة الإحتفال في هذا الشهر المبارك الذي بدأ فيه التشريع الإسلامي الفرعي منذ 14 قرنا ، حيث فرضت فيه الصلوات الخمس ، التي نزل بها كتاب الله بلسان عربي مبين ، فعلينا أن نتمسك بديننا ، وبإلهيئات القائمة بأمر ديننا ، ولغة ديننا ، لأنها أهم رابطة ، وأوثق عروة بين الأسرة الإسلامية الكبرى التي تتلقى بها من كتاب الله تعالى مختلف الآداب التي قوامها الحكمة ، وأساسها العدل والإحسان ، وغايتها قصد السبيل والإبتعاد عن محجة الضلال ، والخروج عن ظلمات الرذائل إلى نور الفضائل ، “إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم”.

_________________

* من تاريخ وفاة مفتي ولاية باضع الأخير عبدالله سراج أبو علامة وتعطل منصب الإفتاء بعد وفاته إلى عام 1360هـ. (تعليق المفتي)

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 4 =